loader
كاميرا

كاميرا




ـ دقيقتان.. تصنعان الصورة!

أعترف لكم أنني لا أعرف هذا (المسؤول) الذي ارتكب ذلك الخطأ..
لا أقصد بشكل شخصي.. ولكنني لا أعرف حتى اسمه، و.. منذ ان ارتكب ذلك الخطأ أمام المواطن... أو بشكل أدق: منذ أن ارتكب ذلك الخطأ أمام (كاميرا الهاتف الذكي) الذي يحمله المواطن، وتم تصويره.. والبلد من أقصاها إلى أقصاها تعرفه!

انها «ثقافة الصورة»، والمشهد المُصور، حتى وإن كان لا يتجاوز دقيقتين، يفوق حضوره ثقافة المقروء حتى وإن كان بحجم مكتبة الكونغرس. الناس - كل الناس - تعرف الأشخاص الذين يقدمون نشرات الأحوال الجوية في «العربية» أو «الجزيرة»، ويحفظون ملامح وجوههم حتى وإن لم يعرفوا أسماءَهم، ولكنهم لا يعرفون الكثير من العقول المهمة في بلادهم.

دقيقتان - على اليوتيوب - جعلتا كل الناس تعرف من هو هذا (المسؤول).. وكوّنتا عنه «صورة سلبية» مع أنها هي الصورة الوحيدة التي يعرفونها عنه.. إلا أنها أصبحت صورة راسخة في الذهن.
نحن لا نعرف من حياة هذا الرجل، وتاريخه العلمي والعملي، سوى تلك «الدقيقتين»، ومن خلالهما تحرك الرأي العام والشعبي للهجوم عليه.
دقيقتان: استطاعتا أن تقضيا - على الأقل شعبياً - على ملايين الدقائق من حياته.. فنحن لا نعرف سوى تلك الدقيقتين.
دقيقتان: جعلتاه يظهر بصورة لا يتمناها أي مسؤول في العالم.
دقيقتان: صورتاه على أنه أحد أسباب الخلل في البلد.

ولكن، تعالوا لنتخيّل المشهد بشكل آخر:
يرد (المسؤول) على المواطن بكلمات من نوعية: «أبشر».. «نحن وضعنا في هذا المكان لخدمتك».. «أمرك سيدي المواطن»... تخيّلوا معي أنه قال هذه الكلمات - حتى وإن كان لا يعنيها.. أو لا يُفكر بتنفيذها - ثم.. تخيّلوا معي أنه انتبه إلى وجود الكاميرا في المكان، وأراد أن يضيف قليلا ً من البهارات على المشهد، وقام من كرسيه ليعتذر للمواطن عن أي تقصير.. ويختم المشهد بتقبيل رأسه!
هنا.. ستتحول «الدقيقتان» إلى مشهد رائع وعظيم لرجل رائع وعظيم.. وتتحول الحملة المطالبة بطرده إلى: «شكراً أيها المسؤول».. ولا نسأل لحظتها - عدا تلك الدقيقتين - ما الذي فعله بملايين الدقائق الأخرى خارج الصورة؟!
إنها « ثقافة الصورة» تُشكل الرأي العام كما تشاء..
والصورة البشعة (الحقيقية) والصورة الرائعة (المتخيلة) كلتاهما لا تنصفُ الرجل.. ولا تقولُ الحقيقة كاملة.

أنا - هنا - لا أدافع عن (المسؤول)، ولا أتهمه، ولا أهجوه - ولا يوجد أسهل من المديح المجاني سوى الهجاء المجاني - ما أفعله هنا هو محاولة لقراءة المشهد وتأثيره.. والذي فعله - خلال تلك الدقيقتين - خطأ.. وخطأ كبير جداً، تعامل بغطرسة وإهمال مع مواطن يشكو من سوء الخدمات المقدمة له، وقدم صورة لتعامل بعض المسؤولين مع بعض المواطنين، مشهد جعل الناس تتساءل: هذا ما يحدث أمام الكاميرا.. إذنْ ما الذي يحدث خلفها؟!
ولكن كم هم أشباهه الذين لم يصل إليهم ضوء الكاميرا، وأريد ان أسألكم: كم من «المسؤولين» الذين تعج إداراتهم بالفساد وسوء الإدارة وتعج حساباتهم بالملايين التي لا يعلم - سوى الله - عن مصدرها.. ومع هذا هم بأمان ضد الحملات والضغط الشعبي.. والسبب:
نجوا من «دقيقتين» على اليوتيوب!


ـ صورة الصورة:

(1)
هل حقاً الصورة تساوي ألف كلمة؟
لا بد أنكم سمعتم بهذه العبارة، والصورة التي (تراها) أفضل وأكثر مصداقية لديك من كلمة (تسمعها).
ولكن: من الذي يملك الكاميرا؟..
من هذا الذي يحدد التوقيت لالتقاط (اللقطة)؟..
أي (مشهد) وأي لحظة من الحدث تلك التي تمرّر لعينك، وترسّخ في وعيك، وتحفظ في ذاكرتك؟

(2)
(الصورة) أصدق: لأنك تراها، (الكلمة) تشكك بها لأنك تسمعها.
أنت تثق بعينك أكثر من أذنك..
عينك تقدم لك النتيجة المريحة، أذنك تتعبك وتحرضك لتحريك عقلك، ومراجعة ما سمعته، لتقرر مدى مصداقية الحدث. ولكن الصورة تكذب أحياناً - مثل الكلمات - وتُزيّف بالفوتوشوب!

- وماذا عن الفيلم المتحرك؟
- هذا يا صديقي يُنتج ويُخرج كما يشاء من يملك الكاميرا.

(3)
في بدايات الاحتلال الأمريكي للعراق:
كانت الكلمات تقول: القصف يتواصل على «الفلوجة».
أما الصورة فكانت تنقل هذا المشهد:
جنود مارينز يوزّعون الخبز على الأطفال في «الرمادي»!
هل (الصورة) هنا تساوي ألف كلمة؟!

(4)
بعض الدول: كل الصور التي تأتي منها هي صور ملونة ومبهجة.
بعض الدول: صورها ثلاثية الأبعاد.
بعض الدول: ما تزال تعيش مرحلة الأبيض والأسود!
بعض الدول: تحرّم التصوير.

(5)
الصورة المُتقنة: تقول كل ما يجب أن يُقال بشكل جميل ودون ثرثرة.
تأخذك إلى الموقف وتؤثر بك بيسر وسهولة.
هي: لحظة في عمر الزمن - ثانية ضغط فيها المصوّر على الزر - لا تعرف ما الذي حدث قبل هذه اللحظة أو بعدها، وهل يتفق أو يتناقض تماماً مع تلك اللحظة المحبوسة في صورة؟
لا تعرف!
الذي تعرفه أن هذه (اللحظة المصورة) وجّهتك بشكل ما، وحددت موقفك تجاه قضية ما، وحبستك أنت في تلك اللحظة، وحبست تلك اللحظة في وعيك.. وجعلتها لحظة تساوي زمناً بأكمله!

(6)
الموت يقوم بتثبيت الصورة: الأميرة ديانا ما تزال شابة وجميلة!
نحن نتقدم بالعمر، و(الصورة) المخادعة لا تكبر.

(7)
عبر هوليوود استطاعت أمريكا أن تصنع وتروّج (صورة) العدو حتى انطبعت في الذاكرة الجمعية.
كانت صناعة الصورة تسبق - أحياناً - قرار السياسي.
في سنوات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي: كان الغالبية العظمى من الجمهور - حول العالم - يرون السوفييتي/ الروسي بصورة القاتل الدموي الذي يريد أن يدمر العالم.

كانت الكاميرا - وما زالت - تقاتل بجانب البندقية..
والطلقة تُصيب واحداً، والصورة تُصيب الملايين.

(8)
السياسي - في العالم الثالث - يهتم بصورته أكثر من كلماته!

(9)
يستطيع السياسي - في أي مكان - أن يصنع ما يشاء من الصُّور، ويروّجها على الجماهير بما يملكه من وسائل متعددة لترسخ في الوعي الجمعي.
ستقع - دون وعي منك - في فخ (الصورة) الرائجة.
ستكتشف في لحظة ما أنك تدافع عنها كأنها (الصورة) الوحيدة.. والحقيقية.
الألف كلمة = لن تمحو هذه (الصورة).. هذا إذا استطعت أن تشكك بمصداقيتها!

(10)
انفجار يحدث في مكان ما في هذا العالم:
صورة تنقله لك كعمل بطولي لمناضل.
وصورة تنقله لك كعمل إرهابي لمجرم عديم الإنسانية.
من يملك الكاميرا الجيدة، والزاوية والتوقيت المناسب، والمنابر الأكثر والأقوى لنشرها: سيجعلك تحدد موقفك تجاه (المناضل/ الإرهابي) ويُرسّخ الصورة التي يريد في ذهنك!

(11)
تقوم بعض شركات الإنتاج السينمائي بـ «تلوين» بعض أفلامها القديمة المصورة بالأبيض والأسود لإعادة عرضها.. بعض الساسة يظن أن «الإصلاح» يتم بهذه الطريقة: تلوين الصورة القديمة للنظام!


ـ ألبوم صور!

(أ)
الناس: «نيجاتيف»
‏الحياة: معمل تحميض!

قال لي ولد مراهق وهو يحمل هاتفه الذكي: يعني إيش نيجاتيف؟!!

(ب)
صاحبي ليس لديه ألبوم صور:
قال له «شيخه» إن الصور حرام، فمزَّقَ كل ما لديه، ولم يصوّر - لاحقاً - لحظات نمو أطفاله، ومناسباته العائلية. كل الصور التي يملكها هي بمقاس ( 4X6) تلك التي تجبره الدوائر الحكومية على التقاطها لإنهاء إجراءات بعض المعاملات!
بعد سنوات، صار يرى صُور «شيخه» في كل زاوية: في الصحف والمجلات، في المواقع الإلكترونية، وعلى شاشة التلفزيون... وعلى مختلف الأوضاع!
الشيخ في كل مكان.. وصاحبي بلا ذاكرة.
ملحوظة: في صورة الـ ( 4X6) الرسمية أتحداكم أن تجدوا مواطناً يبتسم في الصورة.. كل الشعب عابس!
هل «رسمية» الصورة تطرد الفرح من الملامح؟.. هل هنالك قرار عالمي - شبه سري - اتفقت عليه الحكومات بمنع البشرية من الضحك في الأوراق الرسميّة؟!
الصورة الرسمية: متجهمة.. وكئيبة!

(ج)
في المجتمعات المحافظة فقط:
يمكنك أن ترى ألبوم صور كاملاً لحفل زواج، ليس فيه سوى صور الزوج!

(د)
لا تصدّق ألبوم الصور!
هو - في الغالب - التاريخ المخادع لكل عائلة:
ترى لحظات الفرح والزواج.. ولا ترى لحظات الحزن والعزاء.
تُسجّل لحظات النجاح.. أما لحظات الإخفاق فلا توجد كاميرا تحتفي بها وتسجلها.
وانظر لأي صورة جماعية: الجميع يبتسمون... حتى أكثرهم حزناً!
في ألبوم الصور:
تحضر الابتسامة، وتغيب الدمعة.
تحضر التهاني، وتغيب المواساة والعزاء.
تحضر الضحكات حول المولود الجديد، وتغيب صورة الحزن عند غياب أحدهم.
ألبوم الصور ليس تاريخ العائلة..
ألبوم الصور: هو تاريخ العائلة المبهج.. فقط!

(هـ)
في ذلك الألبوم صورة قديمة ما أزال أحتفظ بها:
كنا أولاداً في حدود العاشرة من أعمارنا.
قبل أن تُلتقط الصورة بلحظات نهرها شقيقها لتبتعد.
أجمل ما في الصورة: أنها (كادت) تكون فيها!

(و)
في العالم العربي تحفظ (غصباً عن اللي خلفوك) ألبوم صور الزعيم!
يقدمونه لك على هيئة سوبرمان: لا يمرض، ولا يهرم، ولا يموت.. حتى حين يموت!
الكاميرا والفلاش والورق جميعها تتآمر ضدك لتلميع صورته: لا تتذكر صورة واحدة له في لحظة ضعف إنسانية.
ألبوم الصور الرسمي أكثر خديعة من ألبوم الصور العائلي!

(ز)
في كل العالم:
الصورة الثابتة.. تحرّكت.
الصورة العادية صارت ملوّنة، والملونة أصبحت أكثر نقاوة HD وثلاثية الأبعاد.
في العالم العربي:
الصورة ثابتة و.. أبيض وأسود!
ولن تجد في الألبوم صورة للشعب.

(ح)
الدولة ليست بحاجة إلى: صورة لامعة..
هي تحتاج أكثر إلى: تصوّر ألمعي .
ما أكثر صور الماضي.. وما أقل تصورات المستقبل!
وفي زمن الإنترنت والهواتف الذكية، صار كل مواطن عربي يحمل كاميرته/ هاتفه في جيبه.. يلتقط ما يشاء من الصور، ويصنع (ألبوم صور) المستقبل!

(ط)
صديقي المصوّر: لا أريد لقطتك الميتة لشيء حي..
‏أعطني لقطة حيّة - حتى وإن كانت ـ لشيء ميت!

(ي)
المصور الجيّد: قنّاص ماهر.
الكاميرا: بندقية.
‏اللقطة: رصاصة.. ‏تُصيب «اللحظة»، ولا تقتلها!
الصورة: قفص.

عدد الزيارات: 59517