loader
تاريخ المستقبل!

تاريخ المستقبل!


"1"

11/ 9/ 2037م
القنوات العالمية تتابع باهتمام نقل آخر شحنة نفط تخرج من الخليج.
بث مباشر منذ الصباح يصوّر الناقلة الضخمة في رحلتها الأخيرة وهي تنسحب بهدوء.. ومن دون وداع.
الخبراء والمحللون يتحدثون عن مستقبل الطاقة «لم يتحدثوا أبداً عن مستقبل المنطقة والبشر الذين يعيشون فيها».

أتابع الخبر عبر التلفاز الصغير، الذي يستمد طاقته من الشرائح الشمسية، التي عكفت على شرائها في السنوات الثلاث الأخيرة، بعد أن أصبحت الكهرباء تنقطع كثيراً، حتى صارت لا تعمل سوى ساعتين في اليوم الواحد، قبل أن تنقطع تماماً خلال العام الماضي.

17/ 9 / 2037م
إحدى الإذاعات – لا أكاد أسمعها.. ولا أعرف مصدرها - تتحدث عن فراغ مخيف في المدن الكبرى، وعن هجرة جماعية. تذكرت رواية «مدن الملح» لعبدالرحمن منيف، التي قرأتها في شبابي. أرى مدن الملح تذوب.. أرى ما يحدث أمامي كأنه فيلم سينمائي مرعب لم يصل إليه خيال مُخرج عبقري.

22/ 9/ 2037م
الكثير من العائلات المعروفة بثرائها استوطنت في السنوات الأخيرة أوروبا.
بعض منهم - ولأسباب ثقافية - هاجر إلى تركيا واستقر هناك.
الأقل ثراءً، والأكثر محافظة، اختاروا الإقامة بمصر.
البسطاء من الناس يحاولون استخدام أدوات جديدة لم يعتادوها ، ويبتكرون طرق عيش مختلفة.

25/ 9/ 2037م
اليوم يصادف يوم مولدي.. اليوم أكملت الـ 67 أو الـ 66.. أو الـ 68؟.. لا أعرف بالضبط، ولا أريد أن أعرف.. هي مجرد أرقام. مضى عمري وجميع الأرقام الكبرى تمارس خديعتها معي.. أنا ضحية الأرقام المزيفة والأرقام غير الدقيقة.
قالوا لنا إنه سينضب بعد 100 سنة!

30/ 9/ 2037م
الشائعات تتحدث عن: صفقة لبيع إحدى الإمارات الصغيرة - ذات السواحل الجميلة والبنية التحتية الجيدة - بثلاثة مليارات دولار لرجل أعمال فرنسي بغرض تحويلها لمنتجع شتوي ضخم.

2/10/ 2037م
سيارتي التي لم تعمل منذ عامين، مثلها مثل كل السيارات في المدينة، صارت المكان المفضل لإقامة قطط الشوارع التي أنهكها التعب من البحث عن أي شيء تأكله في براميل القمامة الفارغة.
القطط توحشت.. والبشر كذلك.

7/ 10/ 2037م
لأنه، في الأصل، لم تتشكل هوية وطنية جامعة..
عادت الهويات الصغرى إلى الواجهة: العشيرة/ القبيلة/ المذهب/ المنطقة..
الكثير من أبناء العمومة والأقارب تركوا مدنهم الكبيرة وعادوا إلى هنا - حيث التجمع الأكبر للقبيلة - يبحثون عن الأمن.
صارت الفيلا: خيمة الإسمنت.
صار الشارع: مضاربنا التي لا ينبت فيها الكلأ.
صارت الحارة: العشيرة.
من ليست له قبيلة صار يبحث عن قبيلة تأويه.
بعضهم صار يتفقد عدد الرصاص الموجود في مخزنه القديم.

13/ 10/ 2037م
بيوتنا: أفران في الصيف.. ثلّاجات ضخمة في الشتاء.
البارحة.. حلمت بأنني حصلت على جهاز تكييف يعمل دون كهرباء، وقرص «بنادول»!
كان حلماً رائعاً.. له لذة حلم جنسي يزور منام فتى مراهق.

14/ 10/ 2037م
لم يعد لها قيمة.. صارت مجرد أوراق.
البارحة، جمعت كل ما أملكه من أوراق نقدية وأشعلت النار بها لأصنع لنفسي كوباً من الشاي.

17/ 10/ 2037م
هذا الصباح أصابتني حالة من الضحك الهستيري.. انتهت بالبكاء.
السبب، أنني وأنا أبحث في المخزن عن بندقيتي العتيقة التي أصابها الصدأ، سقطت في يدي قصاصة قديمة لصحيفة محلية، مانشيتها الرئيسي يتحدث عن «التنمية والمستقبل».

27/ 10/ 2037م
في أحد البيوت المجاورة: أسمع صراخاً هستيرياً لامرأة.. يصاحبه بكاء طفل.
اليوم صحونا في مدينتنا الصغيرة على خبر مفزع:
الماء.. انقطع.



"2"
يقول مراسل الـ BBC في نهاية تقريره:
هذا هو محتوى الأوراق المكتوبة على شكل يوميات، التي وجدتها بجانب جثة رجل يحتمل أنه في منتصف الستينيات من عمره، في تلك المدينة المهجورة على أطراف ما يُسمى سابقاً «الخليج العربي».

عدد الزيارات: 59517