loader
23 سبتمبر

23 سبتمبر



لمّا نموت:
تصبح بقايا أجسادنا..
رمل بصحاري بلادنا..
يجون أحفاد أحفادنا: يبنون منّا بيوت!

- هل عرضت عليك الجنسية؟
- كان هنالك «تلميح» وجس نبض..
- وكيف قابلته؟
- اعتذرت، ورفضت.
- لماذا؟
- لأن علاقتي ببلادي أكبر من بطاقة ممغنطة أنزعها من محفظتي واستبدلها ببطاقة جديدة، أكبر من وثيقة رسمية، أكبر من ورقة تحدد «هويتي» عبر بيانات جديدة!
- ولكن.. دخلك سيصبح أفضل وأعلى.
- بلادي: ليست راتباً أحصل عليه آخر الشهر.. بلادي «كنزي» الخاص الذي لا يفنى.
بلادي: الطقس الذي حدد ملامحي، ولون بشرتي الذي أخذ درجته اللونية السمراء من شمسها، ومقاس فتحة أنفي التي تتسع للأكسجين المتاح في جوّها.
بلادي: هي لحظات العتاب التي لا تأتي إلا من محب إلى محبوب.
بلادي: أكلاتها التي أشتهيها، والملابس التي لا تريحني.. وأصر على لبسها، واللكنة التي أحبها، والنكتة التي تضحكني ويستغرب الذي بجانبي من سر الطرافة فيها، والبيوت المفتوحة للضيوف وعابري السبيل، ورائحة القهوة والهيل، وصوت محمد عبده الذي يستطيع أن يسحب أحد عروق القلب ويضعه وتراً في كمنجة، وأول حليب رضعته ورضعت معه طباع أسلافي والخارطة الجينية، وهدف سجله ماجد عبدالله - قبل سنوات - ما يزال يطربني ويجعلني أقفز في الهواء إلى أن يرتطم رأسي في السقف، والضحكات التي أحبها، والروائح التي شكّلت ذاكرة أنفي، والتراب الذي يضم رفات أجدادي، والباص الذي يحمل أولادي، والطريق، وكراسي المدرسة التي تنتظرهم، و «بنت» علمتني ذات صيف أن الحب أحلى من الآيسكريم وألذ من الشكولاته، ويمنحك فيتامينات تطيل عمرك، وتقوّي نظرك، وتجعل عقلك يتمدد ليستوعب العالم كله.
بلادي: شئ أحلى من الحب، وأعلى من القصائد، وأغلى من رائحة عطر بدوي علق في «شيلة» أمي ويُسكرني حين أعانقها.
وعلى ذكر أمي.. الأمر بهذا الشكل:
تخيّل أن امرأة رائعة وفاضلة وثرية وبإمكانها أن تمنحك كل ما تحتاج إليه، وتقول لك: تنازل عن أمك لأكون أمك الجديدة، وسأمنحك كل ما تريد. هل تتنازل؟!
في اللحظات الفاصلة سترى الوضع بهذا الشكل: بلادك هي أمك.. ودائماً أمك وأمي وأمه هي أروع وأجمل وأغلى النساء على وجه الأرض.

بلادي ليست «ورقة» و «بطاقة»..
هي شئ أكبر.. هي أشياء أكثر.. هي اللون والرائحة والذاكرة والطعم واللمسة والهوا والهوى.
هي هذه القشعريرة التي تُصيب الجسد والتي تستفز كل خليّة فيه حين يأتي ذكرها في بيت شعر.. في مقطع غنائي.. في خطاب حماسي.. في سطر لا قيمة له سوى أن «بلادي» أتت فيه.
بلادي هي هذه «الدولة» وهذه الجغرافيا السياسية التي تحمل اسم «السعودية» من الحد إلى الحد، من الماء إلى الماء، من رفحاء إلى جيزان، من القطيف إلى نجران، وشعوري بالغضب لو أن أحداً فكّر بالاعتداء على ذرة رمل من ترابها كأنه - بالضبط - يسطو على منزلي وقوت عيالي.

بلادي: شئ تعجز كل اللغة أن تصفه.. وتنصفه.
بلادي: قبر جدتي «رفعه» وسرير ابنتي «عائشة» التي لم تكمل شهرها الأول.. ويا ويل من يُفكّر بالعبث بالسرير أو القبر!
بلادي.. هي الدموع التي انهمرت من عيوني وأنا أكتب هذا النص.. ولا أعرف ما السبب؟!!
أحبها في آهات التعب..
أحبها في لحظات العتب
أحبها وهي تنظر لي بريبة ، وتعاملني كمشبوه.
أحبها حين تخصم من راتبي الشهري، وتثقل كاهلي بارتفاع الأسعار.
أحبها وهي تُفتش في كلماتي عن مفردة ممنوعة.
أحبها وهي تحاول أن تُصنّفني وتحدد اتجاهي.
أحبها في غبارها، ومطرها الذي يفضح بنيتها التحتية ،وليلها الخفي والمعلن / الناعم والخشن .
أحبها وهي تمنحني المخالفة المرورية وتتهمني بأنني خالفت القواعد.
احبها حتى عندما يلتبس عليها الأمر وتظن أن مشاعري تجاه «الحكومة» هي نفسها تجاه «الدولة»!
أحبها وهي تحمل شنطة المدرسة على ظهرها، أحبها وهي تحمل الملف الأخضر وتبحث عن وظيفة، أحبها وهي تنتظر في غرفة الطوارئ في أحد المستشفيات النائية وتبحث عن سرير شاغر، أحبها وهي تنظر عبر نافذة سجن.
وأغني لها في كل الأوقات، ومهما كان شكل الطقس، ومع اختلاف حالاتي النفسية:
سارعي للمجد والعلياء..
مجّدي لخالق السماء..
وارفعي الخفاق أخضر ..


اليوم الوطني: ٢٣ أيلول / سبتمبر.
يوم ميلادي: ٢٥ أيلول / سبتمبر.
تُرى.. ما الذي حدث في ٢٤ أيلول / سبتمبر حتى تصبح علاقتنا بهذا الشكل؟!

عدد الزيارات: 59517