loader
سيرك!

سيرك!

(1)
منذ طفولتي، وحتى اليوم، لم تكن تضحكني فقرة «المُهرج» في السيرك، على العكس تماماً: كنت أحزن لهذا الرجل الذي يرتدي الملابس المزركشة الغريبة ويصبغ وجهه بالألوان الصارخة ليؤدّيَ بعد ذلك بعضَ الحركات الغبية لإضحاك الجمهور.
حين كبرت اكتشفت أن الحياة مليئة بالمهرجين.. ولكنهم لا يصبغون وجوههم (يكتفون بلبس الأقنعة) وملابسهم أنيقة وبعضهم أكثر شهرة وحضوراً وسطوة من مهرج السيرك البائس!

(2)
أكثر فقرة أحببتها في السيرك هي الفقرة المثيرة التي ينتقل فيها لاعب السيرك من مكان آمن إلى آخر عبر حبل رفيع مربوط في الأعلى لا يساعده في هذه المهمة - ويحفظ له توازنه - حتى لا يسقط سوى العصا التي يحملها بيديه:
أراه أشبه بكاتب جريء.
والعصا: قلمه.
والمسافة الخطرة: النص الذي يكتبه.
من يومها وأنا أحب الكتابة على حافة الأشياء!

(3)
الحياة أشبه بسيرك:
- هذا يعيش حياته على الحافة دائماً، ويسير على خيط رفيع مربوط في الأعلى، مُعلق بين السماء والأرض، ومهدد بالسقوط في أي لحظة وعند كل خطوة.. حياته: مغامرة مستمرة!
- وذاك أشبه بساحر: يمنحنا الوهم.. ويُخرج «الأرانب» من قبعته السحريّة!
- وثالث مهمته في الحياة حمل السوط لترويض الأسود المفترسة وإدخالها الزنزانة.
- وآخر ليس سوى مُهرج يظن أننا نضحك منه ونحن نضحك عليه: يمكنك أن تراه في كل مكان وبأسماء وأشكال مختلفة!

(4)
- ما الفرق بين السياسي وساحر السيرك؟
- الساحر يُخرج الأرانب من قبعته، والسياسي تجد «الأرانب» في تصريحاته.. ومحفظته!
(والأرنب، في اللهجة المصرية: المليون، وفي اللهجة السعودية: الكذبة).
- أرانب الساحر وديعة وأليفة، أرانب السياسي شرسة ومتوحشة.
- عصا الساحر تتحوّل إلى مناديل ملوّنة.. عصا السياسي تتحوّل إلى سوط!

(5)
السيرك ليس هؤلاء النجوم الذين يتقافزون أمامك على المسرح ليدهشوك ويخطفوا أنفاسك بألعابهم ومهاراتهم العجيبة.. السيرك هو أناس وراء الكواليس يتحكمون بكل هذا المشهد، ويصنعون لك في كل زاوية مُهرجاً ليضحكك ويبكيك.. وأنت: تجلس بين الجمهور تصفق، وترتجف أحياناً من صوت سوط مروّض الأسود!

(6)
أشعر أحياناً أنني - دون أن أعلم - جزء من هذا السيرك..
هذا الأمر يرعبني، ويجعلني أفكر بالتوقف!

عدد الزيارات: 59517