محمد الرطيان YOU COULD PUT BANNER/TEXT/HTML HERE, OR JUST REMOVE ME, I AM IN header.htm TEMPLATE

جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو




جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
جديد المتابعات
الإنسان الهامش في رواية: (ما تبقى من أوراق محمد الوطبان)


الإنسان الهامش في رواية: (ما تبقى من أوراق محمد الوطبان)
الإنسان الهامش في رواية: (ما تبقى من  أوراق محمد الوطبان)
12-20-2009 01:14 PM



الأدب بوصفه خطاباً إنسانياً



الإنسان الهامش في رواية: (ما تبقى من أوراق محمد الوطبان)


بحث مقدم لمؤتمر الأدباء السعوديين الثالث
المقام في الفترة من 26ـ29 من ذي الحجة 1430هـ


شتيوي الغيثي

الأدب بوصفه خطاباً \"إنسانياً\"


ـ الأدب والطفرة السردية:

كان الإنسان ولا يزال في ديمومة صراع مع واقعه ومع الطبيعة. وتمثل ذاته على هذا الواقع أدى إلى تشكّل تكوينات ثقافية ذات بنى عميقة في الوجدان الجمعي للإنسان، وهذه التكوينات أفرزت فيما بعد العديد من الفنون الإنسانية المتعددة، والتي ما هي إلا تعبير من التعابير الإنسانية عن قلق الوجود البشري، ولأجل ذلك فقد \"امتد بين الإنسان والطبيعة حجاب الثقافة\&quot1) كما يقول كاريذرس، ولعل الأدب في التصورات البشرية في مجملها أحد تجليات هذه الثقافة، حيث يمتد الشعور الإنساني في تساؤلاته الوجودية من خلال فعل اللغة في معطى جمالي هو الأدب الجانح إلى الفعل التأثيري، ذلك \" أن النشاط اللغوي حتى في أبسط مظاهره هو دائما مجال للإبداعية... [إذ] أن اللغة تحمل في ذاتها صيغاً استعارية متكلسة\&quot2)، وقد أنتجت هذه الصيغ في تنوعها الوظيفي الأشكال الأدبية بوصفها أحد التمثيلات الجمالية للغة البشرية، فالأدب \"هو الذهاب إلى مابعد الاستعارة\&quot3).
وتأتي الرواية كأحد الأشكال الأدبية التي نتجت عن تفاعل الإنسان الحديث مع تجاذبات الحياة اليومية، ويمكن اعتبار الحياة في جانب من جوانبها، هي تجسيد وجودي عن السرديات الكبرى، وإذا ما أدرنا أن نقصر الحديث عن الحياة المعاشة اليومية؛ فإن الرواية هي سرد هذه الحياة بإعادة صيغها التعبيرية عن طريق تخييل الحياة اليومية، والرواية أو القصة هي إجابة سردية عن الإنسان بوصفه واقعاً في شراك القصة نفسها كون الخيال السردي أو التخييل الحياتي بُعد من أبعاد فهم الذات(4)، وإذا صح من خلال هذه الرؤية \"أن الخيال لا يكتمل إلا بالحياة، وأن الحياة لا تفهم إلا من خلال القصص التي نرويها عنها، إذن فالحياة المبتلاة بالعناء هي حياة تروى\&quot5) كما يقول ريكور، مما يعني أن الأدب مرآة الحياة الإنسانية، والرواية مرآتها السردية.
وإذا كان هناك من اتفاق على أن الإنسان هو غاية في حد ذاته وليس وسيلة كما يقول الفيلسوف كانْتْ(6)؛ فإن العمل الأدبي في جانب من جوانبه هو محاولة لتحقيق هذه الغاية، ليس لكون الأدب هو الوسيلة لتحقيق تلك الغاية المثالية، وإنما هو تمثيل عن تمظهرات تعبيرية للخطاب الإنساني داخل الأدب، أي أنه المعبر عن الإنسان بصفته إنساناً قبل أن يحمل أي صفة أخرى، فالأدب مسكون بالبحث عن الإنساني داخل الإنسان بكافة تقلباته؛ كما أنه هو خطاب الإنسان الإبداعي، والرواية خطابه السردي بالتحديد.
وإذ كانت الرواية كذلك، فإنه على هذا الأساس كان البحث من خلال الرواية عن وجود الإنسان في العصر الحديث، وهو الشكل الأدبي الذي استطاع استيعاب التجربة الإنسانية بكافة أشكالها، ولذلك كان الاهتمام كبيراً في إصدار الروايات والقصص من جهة، والاشتغال عليها نقدياً من جهة أخرى، لأن هذا اللون الأدبي يسمح باستكشاف الكثير من البؤر التفاعلية مع الواقع، وهذا ما جعل باحثة مثل سوزان لانسر \"تنطلق من أن النص السردي أقرب إلى العملية المتشكلة عبر القيم والمتغيرات الاجتماعية والثقافية، سواء في إنتاجه أو التفاعل معه ، منه إلى النص المستقل بقيمه الخاصة، وهي بالتالي تدعو إلى علم سرد يأخذ السياقات الاجتماعية والثقافية باعتباره\&quot7)، وهذا ربما ما يعطيني رؤية أولية عن الاهتمام الخاص بالرواية في السياق العالمي عموماً، والسياق المحلي خصوصاً، فالطفرة الروائية على مستوى الثقافة السعودية تشي بمرحلة مختلفة عن كل المراحل السابقة التي مر عليها المجتمع السعودي في تحولاته الثقافية بوصف الأعمال الروائية علامة من علامات اتساع درجة الأفق الثقافي لدى النخب السعودية المثقفة، والتي تحاول البحث لها عن نقاط خاصة بها تتموضع داخلها في السياق الثقافي المحلي، وتأتي الرواية بوصفها العمل الأكثر تعبيراً عن درجة الوعي الثقافي، وعلى ذلك كان لابد في الواقع السعودي أن تصبح الرواية المعبَر الأدبي إلى محاولة التغيير الثقافي، ومن هنا فرضت حضورها في الاشتغال النقدي والثقافي حتى أصبحت مادة ثقافية يتم تداولها في كل المجالات والمؤسسات الثقافية مما جعلها تعبيراً عن الصوت المقموع في وسط تقليدي ومحافظ سكوني الطابع، وقد عملت الرواية السعودية \"على التحكم في منطق الواقع من خلال إدخاله في ممكنات التخييل لوضعه في شروط جديدة لها منطقها الخاص، في محاولة لخلق واقع أكثر جدة وانفتاحاً وتفاؤلاً\&quot8).
واستناداً على محاولة التحكم الثقافي وإعادة صياغة الواقع من خلال العمل الروائي، كما أنه \"في ذات الوقت الذي كانت الرواية تُسائل بعض السلبيات الاجتماعية وتُخلخل بنيتها، بدأت تُرسِّخ شيئا فشيئاً أن التغيير والتغيُّر هو الثابت الوحيد، وصارت الرواية بمثابة المعبِّر المستمر والمنتظم عن التغيير\&quot9). ذهنية التغيير هذه جعلت من الروايات السعودية تتساوق مع خطاب التسامح ضداً من الخطاب السائد، أو هي بشكل آخر خطاب إنساني في مقابل هيمنة الخطابات الطوباوية، والتي تقدم المثال على الواقع، ولذا جنحت الروايات السعودية إلى إعادة اعتبارية الإنسان وتعزيز قيمة التسامح بحيث كشفت الروايات السعودية عن نظره واقعية للمجتمع، وهنا قفز الوعي في \"الفعل الروائي من الملائكية للبشرية\&quot10). لقد كانت الطفرة الروائية في السعودية في السنوات الأخيرة من أهم المرتكزات الثقافية للكشف والبحث عن الإنسان في طيات هذا المجتمع، مع طرح كافة إشكالياته الثقافية والاجتماعية التي تقف أمام إنسانية الفرد في واقع لاإنساني.
وفي محاولات الإنسان البحث عن ذاته الإنسانية تصبح فردانيته في مواجهة الكثير من الخطابات الاستلابية التي تقف حاجزاً قيمياً عن تحقيق إنسانيته، وهي الخطابات التي قامت على تقويضها أو طرح اشكالياتها الفكرية الرواية السعودية، حتى غدت الكتابة ذاتها فعلاً تدميرياً - إذا صح الوصف - كنوع من الارتداد التدميري على الذات بحكم ضغط الخطابات اللاإنسانية عليها مما جعلها لاتستطيع أن تعبر عن ذاتها إلا من خلال الكتابة السردية. يقول بطل رواية (ما تبقى من أوراق محمد الوطبان) - أنموذجنا الروائي هنا - \"ما الذي أحاول أن أقوله؟. أحيانا أشعر أنني أقول كلاماً غير مرتب، وأحياناً أقول كلاماً قد لا أفهمه. هل يجب أن يكون لكل شيء معنى؟!. هل أحاول عبر هذه الأوراق، والتي لا أدري ما الذي سأقوله فيها لاحقاً، أن أعالج نفسي؟. هناك من يرى الكتابة علاج، وهناك من يقول أنها مرض!\&quot11) ؛ لكن هذا الفعل التدميري هو في ذاته بحث عن الأنا الإنسانية داخل العملية السردية. بحث متخبط وموحش، حتى تغدو الذات منكرة من جراء طول غيابها أو تغييبها القسري. يسرد الوطبان:\" ألمح وجهي يفزعني.. إنه وجهي في المرآة المثبتة فوق المغسلة... أنظر إلى وجهي في المرآة، وأسأله من أنت؟. يقول لي: أنا.. أنت!. أرد بعصبية واضحة: ولكنك لا تشبهني؟. يقول لي بهدوء: اسأل نفسك من الذي تغيّر فينا؟.. ثم ستكتشف من الذي لم يعد شبيهاً بالآخر. قلت له: أنت.. أينا؟!. قال لي: أنا.. جميعكم!. قلت له لا تراوغ... قاطعني بغضب: لا أراوغ!.. أنت الذي علمتني المراوغة. لم أكن سوى وجه محمد الوطبان، والآن لا أدري هل أنا وجه محمد الوطبان أم وجه فارس سعيد، أم وجه أبو(12) معاذ.. أم أنني وجه رابع تخفيه ولا أعرف اسمه!. وأضاف: ولكن.. قل لي أنت.. من أنت؟. قلت: أظنني.. أنت. وانتهى الحوار بيننا، ونحن لم نعرف أينا الآخر؟\&quot13). ويمكن القول أن النص السردي المعاصر هو نص البحث عن الذات الإنسانية داخل الخطابات الاستلابية، وهذا البحث قاد الأعمال الأدبية إلى تحول السرد من الخارج إلى الداخل، أي تحول الوصف السردي من خارج الذات إلى داخلها، مما مهد لظهور مايسمى بـ\"تيار الوعي\&quot14). والمقصود هنا اكتشاف الذات لذاتها في طوفان ماهو واقع خارجها، وما ينقصها وتوظيفه لصالح الذات، ومدى اشتغال هذه الذات وجدليتها في السياق الثقافي والاجتماعي داخل الأعمال الروائية(15)، فـ\"الرواية إذن في وجه من وجوهها، تشكل نوعاً من حضور فعل الوعي، باعتباره جزءاً من حضور الذات الواعية\&quot16)، ولذلك نلاحظ هنا كثافة حضور ثنائية الـ(أنا) والـ(أنت) في المقطع المذكور من الرواية قبل قليل على اعتبار أن \"الذات عينها كآخر\&quot17) كما يقول بول ريكور.

ـ هامشية الإنسان وتمركز الخطابات:

وفي إطار بحث الإنسان المعاصر عن ذاته تبرز إشكالية تمركز الذات في الواقع المتعين ومدى اتساقية الإنسان مع واقعه. هذا الواقع الاستلابي الذي يضع الإنسان في مواجهة عصره الذي يعيشه ويحاول تمثله. محاولات المعايشة هذه أدت إلى بروز وهيمنة خطابات الاستلاب بكافة أشكالها ونظمها على حساب الإنسان نفسه، فبدل أن تكون الطريق إلى أن يحقق ذاته عادت لتمارس نوعاً من التمرد على ذاته الإنسانية، وليصبح خادما لها بعدما كان المخدوم ما خلق أزمة الذات الإنسانية في واقعها، وفي ذلك إشارة \"إلى عملية انبناء الذات في الوعي بكينونتها... بهدف تجسيد موضوعياً التحولات الخلاقة التي تتجه صوب اختراق الراهن، بمعنى ألا ينحصر الوجود الإنساني في تصور ماهو كائن بل تحديد ما ينبغي أن يكون\&quot18). تتقدم الخطابات بعمومها لتصنع هذه الكينونة، ولترسم \"الطريق الصحيح\" حسب رؤيتها أمام الفرد باعتبارها \"الخلاص\" الفكري أو الإيديولوجي للإنسان من أزمته الوجودية، مما أفضى إلى \"تشوه الذات الأنطولوجي، وانمساخ معالم هويتها لصالح سياقات الوعي الشمولي\&quot19)، وهي سياقات أدت إلى ما يمكن تسميته بـ\"الطابع الانضباطي\" تقوم فيه سلطة الخطابات الشمولية الرسمية وغير الرسمية على ضبط تنميطي للفرد، فلم يعد يُنظر للإنسان من خلال شفافية الذات الموجودة بقدر ما أنه كائن تنفيذي؛ كائن يجهل ذاته، وهذا الجهل بالذات يسير موازياً للرغبة في متابعتها والإمساك بها(20)، وهنا تبرز إشكالية هامشيته في واقع يضع الذات الإنسانية في مواجه تمركز الخطابات الثقافية على مختلف توجهاتها الفكرية: الإنسان/ الهامش مقابل الإنسان/ المركز (الأقوى). بمعنى أن الإنسان الهامش يبقى في إطار هامشيته لتحقيق مركزية الإنسان الآخر، وتتعاضد كل التمثيلات الثقافية والحضارية لتحقق هذه المركزية للإنسان الأكثر قيمة من الإنسان الهامش حتى تصبح هناك الكثير من الأشياء مركزاً نافياً لوجود الهوامش الأخرى: التاريخ المركز أو التاريخ الرسمي في مقابل التاريخ الهامش أو التاريخ الحكائي، خطاب المركز في مقابل خطاب هامش، مدن المركز في مقابل مدن الهامش...إلخ. لذلك يلجأ الإنسان إلى البحث عن كل ما يعيد الاعتبار لذاته المهمشة حتى تصبح مدينة صغيرة في أقاصي الشمال السعودي كـ\"رفحا\" تساوى مدينة كبرى كسان فرانسيسكو(21). إنها جزء من الذات. يسرد الراوي: \" ليست رفحاء وحدها الضائعة بين زمانين وشكلين، بل إن أكثر المدن في بلادي تعيش هذا المأزق، هي لم تحافظ على تاريخها الحقيقي ـ هذا إن كان لها تاريخ ـ ولم تكتب أو تنجز كتابة التاريخ الجديد. كل تاريخ رفحاء مكتوب بالصحراء التي حاصرها من أربع جهات، الأراضي التي لم يصلها العمران عامرة بالحكايات التي يرفضها التاريخ الرسمي... أشعر أحيانا أنني وهي من الكائنات المشوهة، أو مثل تلك المخلوقات التي تعيش فترة انتقالية تاريخية طويلة...\&quot22) والرواية في مجملها تقوم على ما يمكن أن أسميه \"انتقام الهامش\" إذ تحاول شخصية الوطبان أن تجعل لذاتها المهمشة قيمة في مقابل قيمة المراكز، وهنا تحل رفحا/ المدينة الهامش أمام المدن المركزية الأخرى، وتحل شخصية فارس سعيد مقابل السيدة: (تاء) ورجال الطبقة المخملية، ويحل التاريخ الحكائي للمكان بدل التاريخ الرسمي... إلخ.
هناك واقع مهمش تنضح به الرواية، وهناك الكثير من الحيوات التي تعيش على هامش الرواية وعلى هامش الحياة: (المتجنس عباس شنان ، الأخت نورة، الصديق فرحان العنزي، فتاة الحب العابر جميلة، والمرأة السوداء فريحة العتيق)، ورغم وجود مثل هذه الحيوات في الحقيقة إلا أنها ماتزال تعيش على هامش الواقع، كما عاشت هنا على هامش العمل السردي، رغم أنها أحد مكونات النص، والتي لم يكن لشخصية الوطبان أن تتشكل إلا من خلالها.


ـ الإنسان والخطابات النسقية:

وهامشية الإنسان دائما ما كانت مستلبة بسبب هيمنة الخطابات المركزية سواء كانت رسمية أو غير رسمية، أو بتعبير آخر يبقى الإنسان داخل أطر محددة من قبل النخبة بكافة أشكالها حيث \"يرتبط صعود طبقة اجتماعية معينة وهيمنتها ارتباطاً عضوياً بهيمنة ثقافية وفكرية تهيئ لذلك الصعود\&quot23)، ولا يعني ذلك المفهوم السياسي فقط؛ بل يتعداه إلى مجمل \"الهيمنات\" الثقافية والتي تخلق رؤية أحادية الطابع تحاول فرض نفسها على مجمل الخطابات الأخرى، مما ينتج خطاب التغييب والنسقية؛ إذ يوجد خطاب قامع وخطاب مقموع. لغة فارضة ولغة مفروضة. أدب رفيع وأدب زائف... وغيرها، وهنا يلجأ خطاب الإنسان الهامش إلى البحث عن ذاته الإنسانية في إطار محاولات الخطابات المهيمنة لتحديد نسقية الإنسان المعاصر مما يعني غياب ذاتيته في مقابل تحقيق نسق واحد يراد للفرد تمثل قيمه الثقافية. هذه النسقية تجعل من سلطة الخطابات فوق سلطة الإنسان وتتمحور إنسانية الفرد من خلال تمثله لقيم الخطابات وأنساقها الفكرية في غياب لتعددية الخطاب بسبب تأطير النسق لتعددية الفكر الإنساني والخطابات الإنسانية، ولذلك تم العمل إلى كل ما يحقق القوة أو إرادة القوة كما عند نيتشه(24)، وتم نفي الاختلاف باعتباره حالة شذوذ عن الطابع العام حيث \"يصبح المختلف هو الوجه العام الذي يخالف الرتابة الاجتماعية المعهودة والذي يعارض انسيابية القيم النظامية التي ظلت تتمتع بالهالة السحرية المُهابة\&quot25)، حتى ظلت وجهة نظر الخطاب السائدة هي الصحيحة، مما يمكن أن يولد صراع الخطابات فيما بينها، وفي نموذجنا الروائي: (أوراق الوطبان) تختلط الخطابات لتزحزح بعضها البعض. يسرد الوطبان:\" طوال التاريخ: المصلحون والفلاسفة والمفكرون يقومون بإنتاج الأفكار، والأتباع يقومون بإنتاج الحروب، لأن كل فكرة إنسانية تدعي أنها خيّرة لابد لها إنتاج الخصم الشرير، وكل من لايؤمن بها سيصبح بنظرها شريراً. وهذا الخصم الشرير يرى أن الفكرة \"الخيّرة\" هي فكرة شريرة.. لأنها تريد القضاء عليه وعلى مصالحه..\&quot26)، ويرد صوت الجنون أو صوت العقل لافرق: \"يبدو أنني سأتفق معك مجدداً، فكلما ابتعد الناس عن الأفكار الكبرى أصبحت حياتهم أكثر بساطة وصارت علاقاتهم أكثر تسامحاً..يبدو أن كل فكرة عظيمة تصنع مبغضيها وأعداءها بنفس البراعة التي تجمع حولها مريديها وأنصارها!\&quot27). وهذا الطرح يعيدنا إلى إعادة الرؤية تجاه ذواتنا المفكرة، كما أنه نوع من النقد الواعي تجاه الأفكار التي تطرحها بعض الفلسفات المعاصرة خاصة مابعد النيتشوية، والتي تحاول أن تعيد الاعتبار للوجود الإنساني قبل البحث عن ماهيته كما في الفلسفة الوجودية، وتعزيز قيمة الاختلاف في سياق هيمنة الأنساق الفكرية.


ـ الإنسان/الهوية/الاختلاف:

وبسبب هذا التأطير النسقي فإن الإنسان الهامش دائم الترحال في البحث عن الهوية. إنها إشكالية الذات التي لاتستطيع أن تتمفصل إلا ضمن البعد الزمني للوجود البشري(28)، مما يضطر الإنسان الهامش إلى تكوين هويته السردية في ظل غياب هويته الذاتية، وتتداخل الهوية الشخصية والهوية السردية لتشكل بنية الحدث أو الحبكة القصصية.\" إن مقولة الشخصية هي كذلك... مقولة سردية ودورها في القصة يعود إلى المفهومية السردية عينها التي تعود إليها الحبكة نفسها، وبالتالي فإن المسألة هي معرفة ما ستقدمه المقولة السردية للشخصية للمناقشة حول الهوية الشخصية\&quot29). والهوية في مفهومها الإشكالي ناتجة عن كونها \"وجود وماهية غير أنها لا تمثل جوهراً ثابتاً ومتعالياً على الزمان والمكان بل حالة متحركة ومتداخلة\&quot30). إنها نوع من ديالكتيك الذات البشرية مع واقعها مما يمكننا أن نقول: أن العملية السردية هي الذات الشخصية خاضعة للـ\"متغيرات المتخيلة التي تجبر القصة هذه الهوية السردية أن تخضع لها. وفي واقع الأمر فإن القصة لا تقبل هذه المتغيرات بل هي تولدها وتبحث عنها. وبهذا المعنى فإن الأدب يصبح عبارة عن مختبر واسع للتجارب الفكرية. وفي هذا المختبر نجد جميع إمكانيات تغيير الهوية السردية وقد خضعت لامتحان القصة\&quot31)، ونقرأ في الرواية محاولات الوطبان البحث عن هويته الشخصية من خلال استحداث هويته السردية فمن محاولات البحث عن هوية للمكان الذي يتماهى معه كثيراً كونه يتشابه معه هامشياً إلى محاولات عن الهوية الذاتية، فهوية المكان تتأصل من خلال الحكاية التي أنتجت المكان من خلال استدعاء التراث فيقول: \" بالصدفة كانت إحدى القوافل تمر من هنا... وبالصدفة كانت معهم امرأة تحتضر وماتت في هذا المكان... كان اسم المرأة رفحا... هنا تقاتل البدو على بئر ماء. ومن هنا مرت قوافل تجار \"العقيلات\" قادمة من \"نجد\" في طريقها إلى \"بغداد\"و\"الشام\". ومن هنا مر الفرسان، والشعراء، والغزاة. ومن هنا مر \"الحسين\"و \"المتنبي\"... وعلى أطراف \"رفحاء\" ترى \"بركة زبيدة\" هذا المشروع الذي أنشأته زوجة الخليفة العباسي \"هارون الرشيد\" لسقاية الحجاج...\&quot32).
وكما هي محاولات البحث عن هوية للمكان، فإن الهوية الذاتية تحاول هي الأخرى البحث عن هوية سردية خاصة بها تتقاطع مع الهوية الذاتية وتتداخل معها حد التطابق لذلك يحاول الوطبان نبش التراث لخلق عالم الهوية، فتراه دائم العودة إلى التاريخ القريب والبعيد لربط الهوية الشخصية بالهوية التراثية للذات حتى شغلت مسألة الهوية الذاتية معظم أوراق الوطبان كالأوراق رقم 6 ، 10 ، 14 ، 24 ،26 ، 27 ، 29 ، و..33)(34)، وتجلت في لحظة من لحظات انفصام الذات إذ يتحاور الوطبان مع شخصه المتخيل: \"أستطيع أن أقول لك من (أنا).. هل يكفي اسمي الرباعي..؟ قال: لا.. من أنت؟. قلت: إنسان. قال أعرف.. ولكن من أي الناس أنت؟ قلت: إنسان.. آسيوي.. عربي.. خليجي.. سعودي.. مسلم.. قبيلي.. سني.. شمالي.. رفحاوي.. وهابي.. وأشياء أخرى! قال: من أنت من بين كل هؤلاء.. وما هي الأشياء الأخرى؟. قلت : أنا كل هؤلاء!... قال ألست (أنت) أيضا الكتب التي قرأتها، والأغاني والخطب التي سمعتها، والأفكار التي آمنت بها، والكلمات التي قلتها.. والكلمات التي ستقولها لاحقاً؟. قلت نعم.. أنا كل هذا.. وذاك. قال وسط كل هذا الخليط.. من أنت؟ قلت: حسناً.. أنا أنا!\"،(35) والملاحظ في هذه الرواية اتكاء الهوية على التراث كنوع من تأصيل الذات في معظم النماذج التي سقناها أو أحلنا إلى أوراقها، والجدير بالذكر أن \"ظاهرة التراثية هي المفتاح لتشغيل النماذج السردية، وبالتالي، لتحديد هويتها\&quot36).

وهذه الهوية لابد أن تطرح قضية الاختلاف باعتبار أن الذات لا تتأتّى إلا من خلال الآخر، ومدى الاختلاف بين الذات وبين الآخر، على التداخل الكبير بينهما إذ \"يمكن القول إن مفهوم \"الآخر\" ينطوي في الغالب في فهم جوهراني للذات، أي أن الذات وهي تحدد \"آخرها\" ترى نفسها هي الأساس الذي تصدر عنه المعايير التي يمكن تحديد من هو \"الآخر\"، وكذلك موقع ذلك الآخر في سلم القيم\&quot37)، مما يعني وضع الاختلاف في موقف أخلاقي إلى جوانب المواقف الأخرى كالمعرفية والنفسانية والجنوسية والإثنية والدينية والشعبية والحضارية وغيرها، وعلى ذلك \"يبدو \"الآخر\" مفهوماً تكوينياً أساسياً للهوية، أي للذات وهي تحدد هويتها\&quot38)، وتأتي شخصية الأمريكي \"جونسون\" في الرواية كتعبير سردي عن هوية مختلفة ومغايرة عن الهوية الذاتية، لذلك وقعت عليه التصفية الجسدية. يسرد الوطبان: \"البارحة.. حلمت بـ\"جونسون\" بشكل مختلف. كان أنيقاً وينظر لي ويتسم بود. سألته: أين أنت الآن مستر \"جونسون\"؟ نظر إلي نظرة محايدة، وقال:... لماذا سمحت لهم بقتلي؟... ألا تعرف أن لي أسرة تنتظرني؟... وأضاف بنبرة مختلفة: أنا إنسان بسيط مثلك، لا شأن لي بالحكومات وقراراتها. لي أهل وجيران طيبون وأصدقاء ينتظرون عودتي...لماذا سمحت لهم بقتلي يا بن الوطبان؟...\&quot39)، وفي هذا المقطع طَرْح لهوية الآخر السردية، والتي تكاد تتطابق مع سردية الذات.
ولعل اللغة حسب رؤية \"جاك دريدا\" هي فعل اختلافي أيضاً حيث \" جاءت من الآخر، بل هي مجيء الآخر\&quot40)؛ إذ أن كل مفهوم من المفاهيم يتم تحديد معناه داخل سلسلة نسقية، مما يعني أن أي مفهوم يرتبط مع مفاهيم أخرى عن طريق لعبة منظمة للإختلاف(41)، ولذلك يعترض الصوت الداخلي على السياق السردي الذي يحاول فيه صياغة لغة ضمن مفهوم الذات وكل ما يحقق لها مثاليتها: \" لاتنسى أن \"جونسونك\" هذا كان موظفاً في القاعدة العسكرية ومهندس رادارات أباتشي أيضا..\&quot42).
إذن؛ فالخطاب السائد هو الخطاب المهيمن على الحقيقة في حين يتسلل الخطاب الهامش ليكشف عن رؤية مختلفة تناقض الخطابات السائدة، مما يعني اختلاف المفاهيم لاختلاف السياقات، ومدى التمركز اللغوي وهيمنته لدى الخطابات المختلفة.


ـ الإنسان وغياب المعنى:

ولعل البحث عن الشخصية الذاتية من خلال تكوين الشخصية السردية هو بحث عن \"المعنى\" أو هو بحث عن \"خطاب الصدق\" كما يصفه ميشيل فوكو(43)، أو \"خطاب الحقيقة\"، ذلك أن المعنى يغيب في ظل هيمنة الخطاب العام الذي يحتكر الحقيقية، وهو \"يعني اتفاق القضايا والأفكار مع البنية النسقية بصورة ضرورية. وكل كلام يقع خارج هذه الدائرة هو مقصى بحكم مصداقية النسق\&quot44)، ولذلك تحاول الشخصية انتاج الحقيقة الذاتية، أو المعنى الخاص من خلال وظيفة السرد والعملية التخييلية في مجمل الأعمال الروائية، وهذا \"يعني أن حقيقة الخيال موجودة كلياً في الخيال ذاته، وأن المرجعية تُخلَق طوال النص، وأن الخيال يولّد حقيقته\&quot45)، لذلك يمكن اعتبار النص الروائي خطاب معارض للخطاب السائد كونه يحاول توليد حقيقته الخاصة خارج المنظومة الفكرية العامة، لصياغة التجربة الخاصة التي يستطيع من خلالها الفرد تحقيق ذاته المهمشة على اعتبار أن الوعي بالذات يجعل لأي عمل قيمة اعتبارية يمكن للذات أن تضفي عليها طابع الحقيقة الذاتية؛ إذ \"أنه يستحيل على المرء أن يتخيّل كيف يمكن للوعي أن يظهر بمعزل عن إضفاء \"معنى\" على دوافع الإنسان وتجاربه... [كما] كان على الذهن البشري أن يدرك الفرق بين ما يكشف عن نفسه بوصفه حقيقياً وقوياً وذا معنى، وبين ماهو غير ذلك\&quot46) من خواطر ذهنية عابرة وخالية من المعنى أو من القيمة، ولعل هذا ما جعل الوطبان يحاول أن يعطي لذاته قيمة ومعنى من خلال تبنيه لشخصية: (أبي معاذ). تلك الشخصية التي حاولت أن تبحث في القيمة الدينية عن معنى خاص لها، كما هو حال الكثير من أبناء العرب الذين انخرطوا في العمل التنظيمي الجهادي رغم المغالاة التي حصلت من جراء البحث عن هذا المعنى حد الخروج عن القيم العامة التي كان يحملها المجتمع باعتبار أنه أحد تجليات المقدس، و\"هو عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مرحل تاريخ الوعي، ذلك أن عالماً ذي معنى ـ والإنسان لا يسعه أن يعيش في العماء أو الخواء ـ هو حصيلة سيرورة جدلية يمكن أن نسميها عملية تجلي المقدس. والحال أن الحياة البشرية تصير ذات معنى بأن تحاكي النماذج المنوالية\&quot47)، وهذا \" الاهتمام الذي قد يولى لمثل هذه... (النماذج) لا يقتصر على كونه اهتماما تاريخياً. فهي لا تحدثنا فقط عن ماضٍ مضى وانقضى منذ أمد طويل، بل إنها تنمّ عن أوضاع وجودية أساسية هي مما يرتبط مباشرة بواقع الإنسان الحديث\&quot48)، ومن هنا تنتج المعاني المتولدة من القيمة الدينية للإنسان كما حصل لشخصية أبي معاذ وهي الشخصية الثالثة للوطبان، أو هو الوجه الديني لشخصيته رغم الانحراف الحركي في بنيتها الأصولية، ويمكن من خلال هذه الرؤية فهم شخصية أبي معاذ الطائي ومدى التحول الذي يلامس جزءا من شخصية الوطبان حينما أراد لبس قناع التدين من خلال شخصية أبي معاذ الطائي، كما أننا يمكن أن نفهم أيضا ارتباك الوطبان تجاه هذه الشخصية المحورية في العمل:\" تربكني الفكرة الآن عندما أستعيدها وأفكر فيها مرة أخرى... ما السبب؟ هل لأن \"أبو معاذ\" أكثر تدينا من محمد الوطبان؟... هل لأن \"أبو معاذ\" لديه موقف واضح من الحياة، ولديه قضية مستعد للموت من أجلها؟!... ولكن.. \" أبو معاذ\" لم يكن أكثر من دور في عمل تمثيلي!... أظن أنه \"الدور\" الذي أحببته وتمنيت في أعماقي أن أعيشه في الحياة\&quot49)، وهذا الارتباك ناتج عن غياب المعنى في الكثير من المجتمعات التي تخطو بداياتها إلى الأخذ بكل مظاهر العصرنة، في حين تحقق هذه الشخصية ذلك المعنى.


ـ الجنون بوصفه خطاباً إنسانياً:

إن البحث في الشخصية السردية عن الذات هو نوع من البحث في المتخيل عن الواقع، أو بحث في اللامعقول عن المعقول حتى يختلط العقل بالجنون، وتتهاوى الفوارق السردية بين الحقيقة والوهم، حتى يصبح خطاب الجنون هو خطاب الإنسان الهامش، ومن هنا \"يكشف تاريخ الجنون عن انقسام المجتمع إلى الذات والآخر، إلى العادي والمرضي، إلى المألوف والغريب، إلى العاقل والمجنون، إلى الأساسي والمهمّش\&quot50) ولذلك رأينا في الرواية صورة من صور الذات الطافحة بجنونها حتى أصبح نص الجنون في الرواية هو نص الحقيقة والصوت الداخلي أو \"المونولوج\". تلك اللعبة الجنونية التي تخلط بين العقل والهذيان في شخصية الوطبان. وكما يؤكد ميشيل فوكو فقد \" أصبح الجنون شكلا من أشكال العقل ذاته. إنه يندمج معه ليشكل إما قوى خفية، وإما لحظة من لحظات تجليه، وإما شكلاً مفارقاً يعي ذاته بذاته، وفي جميع الحالات، فإن الجنون لا يمتلك معنى وقيمة إلا داخل حقل العقل\&quot51)؛ بل يوسع فوكو دائرة الجنون ليجعل السرديات الكبرى للتصورات البشرية أحد تجليات الجنون لانقسام الإنسان على ذاته بين المتعالي واللامتعالي، مم يجعله لا يعي بؤسه ولا مستويات الحقيقة، وحتى عدم إدراكه درجة جنونه هو، والتشابه كبير بين المعقول واللامعقول في كل خطاباتنا وتصوراتنا حتى في أكثرها عقلانية(52)، والعمل الإبداعي في حد ذاته نوع من أنواع الجنون، بل تصبح الحياة ذاتها أحياناً ضرباً من اللامعقول الناتج عن قلق الوجود، والذي هو في أصله قلق جنوني من العدمية، ومن هنا حلت ثيمة الجنون محل ثيمة الموت، وهو انحراف داخل القلق الوجودي ذاته كما هو رأي فوكو(53)، ومن هنا نفهم حالة الجنون التي تعتري الوطبان في الرواية. إنها صرخة الذات حينما تخرج عن أقنعتها وتتجلى في صفائها الميتافيزيقي حتى يصبح البحث عن الهوية الذاتية التي يحاولها الوطبان ضرباً من الجنون، وما صوت الذات وهي تسرد إلا هذا الجنون المتخلق من خلال أزمة وجوية حول الذات من خلال ثنائية: \"الأنا و \"الأنت\" التي نقلنا مقطعا منها فيما سبق: (أنظر وجهي في المرآة وأسأله: من أنت؟ يقول لي أنا ..أنت! ....إلخ)، بل يصبح صوت الجنون هو صوت العقل كما هو في كل المقاطع الملونة بالأحمر في الرواية باعتبار اللون الأحمر علامة من علامات الأزمة والقلق والضمير وخطاب الحقيقة، لذلك فإنه يمكن اعتبار الجنون خطاب الإنسان الحقيقي منذ بدايات تشكل الوعي البشري لسؤال الوجود.

ـ بمثابة خاتمة:


يطرح الأدب ذاته من خلال الخطابات الثقافية العامة، وهي ما يعول عليها التأسيس للقيمة الإنسانية في ثنايا خطاباتها إذا ما استطاعت ذلك، ويأتي الأدب كتعبير عن هذه الأنسنة بوصفه العمل الناتج عن إشكاليات الإنسان مع ذاته ومع واقعه وحياته، ويمكن اعتبار الرواية كأهم النصوص الإنسانية والأشكال الأدبية اقتراباً من الإنسان المعاصر وتمثيلا أدبياً لمنعرجاته الفكرية والثقافية والاجتماعية، ولقد كانت الطفرة الروائية من أهم المرتكزات الثقافية للكشف والبحث عن الإنسان في طيات هذا المجتمع، مع طرح كافة إشكالياته الثقافية والاجتماعية التي تقف أمام إنسانية الفرد في واقع لاإنساني. وفي محاولات الإنسان البحث عن ذاته الإنسانية تصبح فردانيته في مقابل الكثير من الخطابات الاستلابية التي تقف حاجزاً قيمياً عن تحقيق إنسانيته، وفي إطار بحث الإنسان المعاصر عن ذاتيته تبرز إشكالية هامشيته في واقع يضع الذات الإنسانية في مواجه تمركز الخطابات الثقافية على مختلف توجهاتها الفكرية. الإنسان/ الهامش مقابل الإنسان/ المركز، بمعنى أن الإنسان الهامش يبقى في إطار هامشيته لتحقيق مركزية الإنسان الآخر، وكيف تحقق الخطابات الثقافية هذه المركزية للإنسان الأكثر قيمة من الإنسان الهامش. هامشية الإنسان هنا تحاول البحث عن ذاتها الإنسانية في إطار محاولات الخطابات لتحديد نسقية الإنسان المعاصر مما يعني غياب ذاتيته في مقابل تحقيق نسق واحد يراد للفرد تمثل قيمه الثقافية. هذه النسقية تجعل من سلطة الخطابات فوق سلطة الإنسان وتتمحور إنسانية الإنسان من خلال تمثله لقيم الخطابات وأنساقها الفكرية في غياب لتعددية الخطاب بسبب تأطير النسق لتعددية الفكر الإنساني والخطابات الإنسانية. وبسبب هذا التأطير النسقي فإن الإنسان الهامش دائم الترحال في البحث عن الهوية. إنها إشكالية الذات الوجودية التي لاتستطيع أن تتمفصل إلا ضمن البعد الزمني للوجود البشري، مما يضطر الإنسان الهامش إلى تكوين هويته السردية في ظل غياب هويته الذاتية، وهذه الهوية السردية لابد لها أن تتماس مع الآخر باعتبار أن الذات لا يمكن لها أن توجد إلا في وجود الآخر، ووجود الآخر يفترض وجود الاختلاف، كما أن البحث عن الشخصية الذاتية من خلال تكوين الشخصية السردية هو بحث عن \"المعنى\"؛ إذ أن إحدى إشكاليات الإنسان المعاصر هي في \"غياب المعنى\". أي غياب القيمة الإنسانية لتحقيق الذات، والبحث عن هذه الذات من خلال الرمزيات السردية الكبرى بكافة أشكالها، وهنا تصبح الهوية السردية بديلا وهمياً عن الشخصية الذاتية، وهنا يختلط الجنون والعقل، وتتهاوى الفوارق السردية بين الحقيقة والوهم حتى لم يعد الإنسان يعرف ما ينتمي إلى الحقيقة وما ينتمي إلى الوهم. من هنا فإنه يمكن القول أن الأدب بوجه عام هو خطاب الذات الإنسانية الأكثر تعبيراً عنه وعن ذاته المهمشة.

ـ انتهى ـ



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1) مايكل كاريذرس: لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟ الثقافات البشرية :نشأتها وتنوعها . ترجمة شوقي جلال. عالم المعرفة. المجلس الوطني لثقافة والفنون والآداب ـ الكويت. كتاب رقم 229 يناير1998م ص 7
(2) روبين مارتن: مدخل إلى فهم اللسانيات . ترجمة د. عبدالقادر المهيري. المنظمة العربية للترجمة .توزيع مركز دراسات الوحدة العربية .الطبعة الأولى. سبتمبر2007. ص 192/193 . بتصرف.
(3) عابد خزندار: رواية مابعد الحداثة . منشورات الخزندار. الطبعة الأولى.1992م ص 173 .
(4) بول ريكور: الحياة بحثا عن السرد. ضمن كتاب: الوجود والزمان والسرد. تحرير: ديفيد وورد. ترجمة وتقديم: سعيد الغانمي المركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى 1999م. ص 52
(5) المصدر السابق . نفس الصفحة وما بعدها. بتصرف.
(6) إيمانويل كانت: تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق. ترجمة وتقديم د. عبدالغفار مكاوي. منشورات الجمل. الطبعة الأولى.2002. ص 106
(7) د. ميجان الرويلي ود. سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي. مادة علم السرد. المركز الثقافي العربي. الطبعة الخامسة 2007 ص 177
(8) د. سحمي الهاجري : جدلية المتن والتشكيل: الطفرة الروائية في السعودية . النادي الأدبي بحائل بالتعاون مع الانتشار العربي. الطبعة الأولى 2009 ص43 .
(9) المصدر السابق . نفس الصفحة.
(10) د.عبدالله البريدي: الفعل الروائي من الملائكية للبشرية. الجزيرة الثقافية . 28/3/1428هـ ـ 16/4/2007. ص8
(11) محمد الرطيان : ما تبقى من أوراق الوطبان . طوى للنشر والإعلام . الطبعة الأولى 2009 ص 11
(12) هكذا في الرواية.
(13) المصدر السابق ص 12.
(14) عابد خزندار: رواية مابعد الحداثة . مرجع سابق ص 185.
(15) د. سحمي الهاجري: جدلية المتن والتشكيل . مرجع سابق ص 90
(16) مرجع سابق ص 91
(17) عنوان كتاب لبول ريكور : الذات عينها كآخر . ترجمة وتقديم د. جورج زيناتي. المنظمة العربية للترجمة. توزيع مركز دراسات الوحدة العربية. الطبعة الأولى 2005م.
(18) ابن داوود عبدالنور: المدخل الفلسفي للحداثة. الدار العربية للعلوم ناشرون بالاشتراك مع منشورات الاختلاف، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الطبعة الأولى 2009 ص 25
(19) المرجع السابق ص 147 بتصرف .
(20) المرجع السابق ص 83
(21) محمد الرطيان: رواية: ما تبقى من أوراق الوطبان. مصدر سابق ص 15.
(22) المصدر السابق ص 16 .
(23) أنطونيو غرامشي. نقلا عن كتاب : دليل الناقد الأدبي مرجع سابق ص 347
(24) عابد خزندار: رواية مابعد الحداثة . مرجع سابق ص 11
(25) ابن داوود عبدالنور: المدخل الفلسفي للحداثة . مرجع سابق ص 123
(26) محمد الرطيان: رواية: ماتبقى من أوراق الوطبان . مصدر سابق 77
(27) المصدر السابق.. الصفحة التالية.
(28) بول ريكور: الذات عينها كآخر . مرجع سابق 250 .
(29) المرجع السابق . ص 298 .
(30) حاتم الورفلي: بول ريكور.. الهوية والسرد . دار التنوير للطباعة والنشر الطبعة الأولى 2009 ص 37
(31) بول ريكور : الذات عينها كآخر . مرجع سابق ص 306 .
(32) محمد الرطيان : رواية ما تبقى من أوراق الوطبان . مصدر سابق 19ـ 20 . بتصرف.
(34) المصدر السابق. الصفحات 26، 51، 63 ، 95 ، 26 ، 27 ، 107 ، 115 ، 131 .
(35) المصدر السابق ص 131ـ 132.
(36) بول ريكور: الحياة بحثا عن السرد. ضمن كتاب: الوجود والزمان والسرد. مرجع سابق ص 45 .
(37) سعد البازعي: الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف. المركز الثقافي العربي .الطبعة الأولى 2008 ص 36
(38) المرجع السابق. الصفحة التالية.
(39) محمد الرطيان: رواية ما تبقى من أوراق الوطبان . مصدر سابق ص 23. بتصرف
(40) جاك دريدا. نقلا عن ميجان الوريلي وسعد البازعي : دليل الناقد الأدبي . مرجع سابق ص 23
(41) عز الدين الخطابي : أسئلة الحداثة ورهاناتها. الدار العربية للعلوم ناشرون. ومنشورات الاختلاف. بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم . الطبعة الأولى 2009م ص120
(42) محمد الرطيان: رواية: ما تبقى من أوراق الوطبان. مصدر سابق . ص 24 وما بعدها.
(43) ابن داوود عبدالنور : المدخل الفلسفي للحداثة . مرجع سابق ص 393 .
(44) المرجع السابق . نفس الصفحة.
(45) روبير مارتان :في سبيل منطق للمعنى . ترجمة الطيب بكوش وصالح الماجري. المنظمة العربية للترجمة. توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الأولى 2006. ص 359
(46) ميرتشا إلياده: البحث عن التاريخ والمعنى في الدين . ترجمة د.سعود المولى المنظمة العربية للترجمة . توزيع مركز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الأولى 2007 ص 39 ـ40.
(47) المرجع السابق . ص 40.
(48) المرجع السابق . ص 43
(49) محمد الرطيان : رواية ما تبقى من أوراق الوطبان . مصدر سابق ص 119
(50) عمر مهيبل نقلا عن ابن داود عبدالنور: الخطاب الفلسفي للحداثة .مرجع سابق ص 86
(51) ميشيل فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي . ترجمة سعيد بنكَراد. المركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى 2006. ص 54
(52) المرجع السابق ص 55ـ 56 .
(53) المرجع السابق ص 37.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 244


خدمات المحتوى


تقييم
9.01/10 (50 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

إدارة وتصميم : سليمان الشمري . soliman_anb@hotmail.com