محمد الرطيان YOU COULD PUT BANNER/TEXT/HTML HERE, OR JUST REMOVE ME, I AM IN header.htm TEMPLATE

جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو




جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
جديد المتابعات
النص الكامل لقراءة الناقد الاردني الدكتور محمود العزازمة لـ أوراق الوطبان .


النص الكامل لقراءة الناقد الاردني الدكتور محمود العزازمة لـ أوراق الوطبان .
النص الكامل لقراءة الناقد الاردني الدكتور محمود العزازمة لـ أوراق الوطبان .
01-27-2010 01:53 AM

قراءة في رواية
"ما تبقى من أوراق محمد الوطبان"
للأديب محمد الرطيان



الرواية إجابة حقيقية على شعور الريبة وعدم اليقين.

رواية جديدة تتمرد على معايير الكتابة المألوفة .

د.محمود العزازمة



أود في البداية أن أتقدم بالشكر الجزيل للأخوة رئيس مجلس إدارة نادي حائل الأدبي وأعضاء الهيئة الإدارية في النادي،على إتاحتهم هذه الفرصة الثمينة لمناقشة رواية مهمة لكاتب كبير من كتاب المملكة العربية السعودية،الكاتب الروائي الأستاذ محمد الرطيان.وليس جديدا اهتمام نادي حائل الأدبي بالرواية السعودية،فهو خصص أرفع الجوائز هذا العام لحقل الرواية،إيمانا منه بأهمية الإبداع السردي المحلي،ومبادرة منه لدعم الكتاب والوقوف إلى جانب منتجهم المحلي.
في مئة وخمس وثلاثين صفحة من القطع المتوسط،ومن خلال ست وثلاثين لوحة منفصلة،يقدم لنا الروائي محمد الرطيان روايته(ما تبقى من أوراق محمد الوطبان) الصادرة عن دار طوى للنشر والتوزيع 2009م.
الرواية عبارة عن ست وثلاثين ورقة كتبها محمد الوطبان بطل الرواية،ووضعها على طاولة في المقهى الإيطالي بجدة،دلّ عليها بواسطة مكالمة هاتفية امرأة اسمها السيدة تاء،تبادر السيدة تاء وتنشرها باسم محمد الوطبان،لكنها تعلق بعض التعليقات في ثناياها.
تتحدث الرواية عن رجل أمن سعودي،ولد في مدينة رفحاء شمالي المملكة العربية السعودية،ينشأ فيها البطل نشأة تكاد تكون طبيعية،لولا أنه كان وحيد أبويه من جهة الأولاد الذكور،وشغف بالقراءة منذ نعومة أظفاره،فنجده يتتلمذ على الكتب المهربة بواسطة أحد سائقي الشاحنات من الجنسية الأردنية،وكان هذا يمدّ الصبي محمد الوطبان بما يريد من الكتب مقابل أجر هو جزء من مصروفه الذي يدخره الصبي لهذه الغاية.
يتراوح السرد بين ضمير المتكلم باسم كل من :محمد الوطبان ، وفارس سعيد ،وأبو معاذ الطائي ،سردا يشبه السيرة الذاتية، لما فيه من حميمية، وقدرة على تعرية النفس من داخلها وبما يتضمنه من الاعترافات المتتابعة،بموازاة ذلك يظهر ضمير المخاطب ،وهو ذلك الصوت دائم الاعتراض على سلوكات بطل الرواية،يشكل له ما يشبه الضمير اليقظ الذي نلاحظه واقفا بالمرصاد يحاسبه على كل كبيرة وصغيرة.ضمير المخاطب الذي يوازي المتكلم ويراقبه ،وينتقده،ويردعه أحيانا عن الوقوع في بعض الأمور،وقد كتبت لغة هذا الضمير بالخط الأحمر الذي يمثل الخطر والفضح والإنذار والوضوح،كل ذلك في آن معا.يقول أحد المقاطع:
"تريد أن تقنعني بهذه القصائد والموسيقى التي تفوح من هذه الورقة ، وبهذا المشهد الاحتفالي أن حدث ولادتك كان حدثا ً مهما ً ؟!.. يا أخي أنت ماخذ مقلب كبير بنفسك !.. ألا تعلم أنه في اليوم الواحد في هذا العالم يُولد أكثر من ( 320000) طفل ، وأن الغالبية العظمى منهم يولدون ويموتون دون أن يغيروا في هذا العالم أي شيء ، وصدقني ، أنت واحد من هذه الأغلبية . أنت " عدد " لم – ولن – ينتبه إليه أحد ."
يبدأ السرد من الطفولة في رفحاء ثم يمتد حتى الوظيفة الأمنية في الرياض وجدة ،ينتسب محمد الوطبان الشاب إلى الجهاز الأمني،يحوله الجهاز الأمني إلى ألعوبة ،يطلب منه تمثيل دور الإرهابي،فيصاب بما يشبه الفصام والجنون،فهو ابن قرية وادعة،لم يتخيل نفسه بهذه الأدوار الخطرة،يتمزق البطل من الداخل،ويصاب بكساح ذهني،يتمزق بوحا،وتتكسر كثير من الأشياء الجميلة في داخلة.
يحاول البطل من خلال هذه السنوات الطويلة فعل شيء من أجل المرأة،أو من أجل الوطن،أو من أجل الفكر، أحب المرأة،وبدا لنا أنه أحب الوطن، واستطاع التضحية من أجله ،ومثل تمثيلا بارعا كأحد أعضاء جماعة إسلامية مسلحة، بيد أنه ما استطاع سوى معاينة سقوطه مرة تلو أخرى، ومعايشة نكباته الداخلية وخيباته، على أيدي لم تكن واضحة المعالم،أيدي خفية ربما ،يمكن ردها إلى الزمن الحاضر،زمن ما بعد الحداثة بامتياز والذي يتصف بصفات التشظي والخراب والتمزق.
يشكل الارتداد مرتكزاً أساسياً في بناء الرواية،لكنه ارتداد لا يراعي تسلسل الزمن، أوترتيب الأحداث، بل يبدأ من النهاية،في الورقة رقم(1)حين تحدث فيها عن مرضه وعدم قدرته على استيعاب ما جرى معه من أحداث.
يعود، من خلال الذاكرة، إلى الماضي البعيد أو القريب،ماض كاد أن يصل إلى نشأة منطقة رفحاء،وتاريخ المنطقة الشمالية في المملكة العربية السعودية. ثم يرتد إلى الحاضر، ويتجاوزه أحيانا إلى المستقبل. ونلاحظ أن أحداث الرواية متقطعة، مربكة، تعكس نفسية الراوي/ الكاتب، وضياعه بين الأزمان، والأحداث ،ربما يبحث عن مقومات الهوية، أوأسباب الإنكسار.
إنها رواية الحبكة المفككة، حوادثها منفصلة تكاد لا ترتبط برباط، تعتمد وحدة العمل فيها على الشخصية الأولى محمد الوطبان وأسمائه الأخرى. يختفي البطل في نهاية الرواية،وفي ذات الوقت يظهر رجل أعمال يحمل اسم(محمد بن سلطان آل وطبان) مدير عام المجموعة الخليجية للاستثمار الدولي،يعترف بأنه عمل حقبة من الزمن في الجهاز الأمني،لكنه يتبرأ من أحداث الرواية،ولا يعترف بما ورد فيها.
تبدو رواية محمد الرطيان توصيفا ثقافيا لسير المجتمع السعودي المعاصر، تجسد ردة الفعل أزاء فكرة أن المجتمع يعيش في سلام وتطور مستمر، الفكرة التي كانت روايات الحداثة تصر عليها، إنها ترد عبر التقنيات والأفكار التي تطرحها ،بأن الحاضر لا يتجه بالضرورة نحو التطور والتحسن والتمام، وهكذا فإن رواية محمد الرطيان تقول بشكل عام إن الحاضر لا يشكل بالضرورة تحسينا للماضي،بل يفترض فرضيات معاكسة.يقول أحد المقاطع:

"من هم خارج " الجهاز " يظنون أحيانا ً أن البلد فوضى . والذين داخله ، ويعرفون أسراره ، يرون أنها " فوضى منظمة " تديرها أيدي ماهرة ، تعرف متى ترخي الحبل ، وتعرف متى تشده ، وتعرف الوقت الذي تحوّل فيه هذا الحبل إلى " حبل مشنقة " !
إن هذا يشبه إلى حد كبير (انفجار المعنى) وعدم التصديق حيال ما يجري ،بل السخرية بدهاء منه،ويمثل من جهة أخرى (أزمة الشرعيات) إنه على كل حال عصر اللايقين في أنصع صوره.
رواية الرطيان رواية جديدة ببنائها ومادتها وفلسفتها وأسلوبها وهدفها . يتمحور نجاحها في عدم حرصها على إقناع القاريء للاهتمام بها كوسيلة للتسلية والإمتاع،بقدر ما أقنعته كوسيلة إيقاظ ودهشة وعذاب وحيرة،وقد عدت إلى موقع جسد الثقافة مثلا وهو موقع نشرت به الرواية وجرت فيه حوارات بين القراء وأعضاء الموقع مع المؤلف مباشرة ومع الرواية ووجدت أن عدد قراءات الموضوع( 9441 )تسع آلاف وأربعمئة وإحدى وأربعين قراءة،بين مشارك ومشاركة أو قاريء أو زائر.ربما استطاعت هذه الرواية أن تدحض فكرة أن الهدف من قراءة الرواية هو الإمتاع والتسلية ، وانتقلت بالقاريء إلى أهداف أخرى أقلها،فعلة التأمل في الأحداث وطبيعة الشخصيات بيقظة وتبصر عميقتين،بل راحت للتبشير بفكرة مشاركة القاريء في أحداث الرواية وصناعة جزءا من أحداثها ،فبدا القاريء مهتما وباحثا عن الهدف من كتابتها وإخراجها بتقنياتها المتعددة إلى حيز الوجود .
ترفض هذه الرواية التقاليد السردية بشيء من الحدّة، وتتمرد على الفلسفة الجمالية للرواية الحديثة ومن قبلها الرواية التقليدية ، بل تطمح إلى تأسيس مفهوم جديد للكتابة ،إذ إنها نص صادم ومتعب للقاريء يستند إلى مفاهيم جديدة للرواية والأدب عامة .
وهي رواية المسرحية لأنها تتكون من مشاهد على شكل مقاطع ولقطات فنية تشبه صورا مبعثرة ومتناثرة ومفككة وغير مترابطة ، فلكل صورة شخوصها وأحداثها وتقنياتها . ما يعطي الحق بضرورة دمجها في مصاف الرواية العربية الجديدة التي تتمرد على معايير الكتابة المألوفة . نلاحظ وجود ما يشبه مسرح الفودفيل، أو ما يسمى مسرح الصالون؛الذي يرتكز على الإيقاع السريع و سرعة النكتة الهادفة:
لحظة .. لحظة .. يا ساتر .. هذا كـُفر !..
هل تريد أن تـُلمح لي أن " جونسونك " هذا سيكون من أهل الجنة ؟!!
خاف ربك يا رجل !
وما يشبه مسرح الإيماء،من خلال الإيماءة والأشارة،والحركة المؤسلبة، التي تنتقل من الدلالة المعجمية إلى الدلالة المرتبطة بالواقع وأذهان الناس،كما في مفردة(الجماعة) التي استخدمتها الرواية،وكذلك الأحاديث التي تقال على إنفراد لكنها تغمز للقاريء بشيء مسبق يفهمه تماما:يقول النص:
*ما هو المضحك وغير المضحك في آن؟!
-شنان الابن الأكبر لـ عباس قبض عليه قبل فترة بشبهة انتمائه لـ الجماعة،فهو متدين جدا وإمام مسجد الحي الذي يسكن فيه والده.
وكاتبها محمد الرطيان أديب مجدد يتصف بالجرأة والبحث عن أساليب جديدة في الكتابة الأدبية لخلق جمهور قاريء وواع ومهتم .
كما يلاحظ أن هذه الرواية تبدو تجسيدا لجماليات التفكك والتبعثر والتشتت والتناثر . بحيث أنها تنفتح على التراث العربي الإسلامي والإنساني وعلى أزمنة عديدة وأمكنة لا حصر لها تتداخل وتتشابك مع اللحظة المصورة في سبيل إقامة حوار خفي بين الماضي والحاضر ،يقول أحد المقاطع:
وهنا ، وعلى أطراف " رفحاء " ترى " بركة زبيدة " هذا المشروع الذي أنشأته زوجــة الخليفــة العباسـي " هارون الرشيد " لسقاية الحجاج الذاهبين إلى مكة والقادمين منها.
ومن هنا أيضا ، مرّت هذه الأفعى المعدنية العملاقة ، ذيلها في الخليج العربي ورأسها في البحر المتوسط !
تتبع هذه الرواية نمط الرواية الجديدة التي تجسد الرؤية اللا يقينية للعالم .بمعنى أنها تعبّر عن اللارؤية، أو الرؤية اللايقينية، وهو ما يفكك جملة التصميمات والهندسات الفنية التي نظمتها وعبّدتها الرواية الحديثة ومن قبلها الرواية التقليدية.
تظهر رواية الرطيان ضمن نسق الرواية الجديدة التي ظهرت في ظل تفتت القيم واهتزاز الثوابت وتمزق المبادئ. رواية تقدم الفن دون ادعاء، فن عفوي، حر، على صورة المجتمع النرجسي واللامكترث الذي غدا سمة يومية في عصرنا.
ويبدو أن جماليات الرواية الحديثة ومن قبلها الرواية التقليدية وأدواتهما أضحتا غير ناجعتين في تفسير الواقع وتحليله وفهمه، وبدتا عاجزتين عن التعبير عنه، لهذا فإن الحاجة أصبحت ماسّة إلى فعل إبداعي يعيد النظر في كل شيء ويدعو إلى قراءة مشكلات العصر قراءة جديدة،وهذا ما يمكن أن تمثله هذه الرواية.
فرواية محمد الرطيان هذه ليست الرواية التقليدية التي اقتصرت إنجازاتها على ترويض اللغة العربية لتصبح لغة سرد قصصي بعد أن ظلت لغة نظم ورسائل ونثر خطابي ومقامي . وليست تقليدية يغلب عليها الطابع التعليميّ والتدخل المباشر من المؤلف كما في رواية عبد القدوس الأنصاري في " التوأمان ".
وهي ليستْ الرواية الحديثة،التي كانت امتدادا فلسفيا وفكريا لمرحلة الحداثة بوصفها حركة عقلانية منتظمة، مع أن سمات الحداثة الفكرية لا تتطابق تماما مع سماتها الأدبية ، إذ جاءت معها أيضا بالتحرر والتمرد وكسر القيود،لكن هذا لا يمكن النظر إليه كظاهرة بارزة.يقول النص:
أذهب إلى المرآة لأتفحص وجهي ..
أصابني الفزع !.. لم أر وجهي في وجهي .
كان وجهي بلا ملامح واضحة !(ص:60)
الرواية إذن ليست رواية الحداثة التي تسْعى للتعبير عن علاقات اجتماعية قائمة بوسائل فنية ، وتقنيات غير سائدة،مع الاحتفاظ ببناء متماسك ذي بداية ووسط ونهاية، وحوادث تترابط وفقا لمبدأ السببيّة، وشخصيات نامية، في الغالب، تتأثر بعوامل الزمان والمكان. مثل روايات : فؤاد مفتي ، ورجاء عالم و أحمد الدويحي و عبد العزيز الصقعبي ، وإبراهيم الناصر ، وعبد العزيز المشري ، وتركي الحمد ، وأمل شطحا ، وهادي أبو عامر ، و ليلى الجهني ، ومحمد عبده اليماني ، وعبده خال، ذلك كله شيء، ورواية محمد الرطيان(ما تبقى من أوراق محمد الوطبان) شيءٌ آخر تماما.
إنها رواية تتخطى التقاليد ، والحداثة معا، تتخطاهما إلى ما يمثل خرقا لما هو راسخٌ في النوعين المتقدّمين. ولذلك يمكن أن نطلق عليها رواية اللا رواية ، ورواية الحساسية الجديدة، والرواية الجديدة .
كونها تسعى إلى إيجاد ذائقة فنية أكثر اعتمادها على جماليات التفكيك، والتشظّي، واللجوء إلى الانحرافات السردية، وتحطيم التسلسل الزمني النمطي، وتجنب الوحدة والترابط في الموضوع، أو الحدث، وتراجع العناية بالشخوص، فيكفي أن يتعامل الروائي مع(السيدة تاء) أو(أو عين عين،أو نون) بدلا من حسين مشرف في رواية الطين، أو فؤاد بطل شقة الحرية أو مريم بطلة ستر وغيرها.وهي رواية تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. يقول أحد المقاطع:
أعيد قراءة ما كتبته في الفقرة السابقة ، وأتساءل :
هل هناك فرق بين الحب والجنس ؟
ما فائدة أن تحب ولا تمنح جسدك لمن تحب ؟
هل علاقة الحب بين رجل وامرأة إذا تطوّرت إلى علاقة جنسية لا تعود حبا ً ؟!
هل ستختلف الإجابات باختلاف الوجوه والجهات ؟..

على أنه يمكن القول إن الرواية الحديثة لم تستنفد أغراضها بعد وما تزال رائجة مقروءة.
وظهور مثل رواية محمد الرطيان ليست انقلابا من مرحلة إلى ثانية.بقدر ما هو تطور طبيعي،وامتداد جديد من امتدادات الرواية العربية إلى آفاق ومناطق لم تصلها مسبقا.
كما نلاحظ أصداء متعددة لفكر ما بعد الحداثة في رواية الرطيان،والتي تمثل نمط الرواية الجديدة، من ناحية الرؤية اللايقينية والثورة على كل ما هو حداثي ومنتظم.يقول أحد المقاطع:
•انتبه !.. أنت الآن – وبطريقة فنيّة مراوغة – تحاول أن تروّج للرواية الرسميّة . لا تنسى أن " جونسونك " هذا كان موظفاً في القاعدة العسكرية ومهندس رادارات أباتشي أيضاً ..
ـ يا الله !.. هنا تنبهني .. وهناك كدت ان تـُكفرني .. بل كفـّرتني ..
ألا تنام أنت ؟!
* كيف أنام وهلوساتك الغبية وكوابيسك السخيفة تطاردني ، ولا تجعلني أحظى بساعات قليلة من النوم المتواصل المريح ؟.. خذ لك قرصين " فاليوم " ، وقم لفراشك لعلنا ننام"

أما الانحرافات السردية في رواية محمد الرطيان فهي كثيرة،بدت على أشكال متعددة : انتقالات متعمدة، من تعليق إلى وصف.. ومن وصف إلى تذكّر.. ثم إلى تأملات متعالية.. فإلى نموّ استعاري شعري ، ومن مكانٍ لآخر رفحاء ثم الرياض ثم جدة، ومن شخصية لشخصية ثانية.. ما يجعل تلخيص حوادث الرواية أمرا صعبا.
أما الشخصيات في هذه الرواية فتبدو مجرد أسماء لا ذوات. ويرافق الاستغناء عن الحبكة اختزال الزمن اختزالاً شديداً. ويمكن أن نلمح بسهولة ما فيها من خرْق متعمَّد ، وانتهاكٍ مقصود، لقواعد السرد بمفهومه التقليدي، والحديث.يقول أحد المقاطع:
ولـ " رفحاء " حديّن .. حد قديم رُسم قبلها ، ويجعلها عراقية . وحد رُسم بعدها ، ويجعلها سعودية . ولا تدري هل كان هذا صدفة أيضاً ، أم أنه مهارة السياسي ، أم خطأ في رسومات الجغرافيين .
إنها رواية جديدة تماما تناولت موضوعا واقعيا وفي ذات الوقت تخفق في تحقيق مبدأ الإيهام بالواقع،عن طريق رفضها مبدأ الحتمية في سلوك الشخصيات،أو مقولات المشابهة والمسايرة و التناظر.
تبدو من خلال دوائرها أقرب إلى عملية تطوير وتجديد حاسم لروح الرواية الواقعية،من حيث مرجعيتها الكبرى: الاحتفاء بالإنسان الغريب المقهور الباحث عن الحرية والعدل،والحب ،يقول أحد المقاطع:
أحيانا ً أشعر أنني أحد هؤلاء الحمقى .. حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا السطر.. أشعر أنني أحمق وغبي !.. بل إنني أتسائل أحيانا ً :
" هل ما أكتبه الآن هو تكملة للمشهد .. أم أنه خروج عن النص " ؟! ..
فـ " الجهاز " نقلني من مشهد إلى مشهد نقيض .
أشعر انني لست سوى بيدق على رقعة شطرنج ، وأصابع " الجهاز " تنقلني من مربع إلى مربع إلى مربع .. ولا أدري إلى أين ستكون النقلة القادمة !
كما تألفت الرواية من ست وثلاثين قطعة،أشبهت في ذلك ما يسمى بالرواية الفسيفسائية، إذ تتألف من شذرات كل شذرة منها تبدو وحدة مستقلة عن الأُخرى. أما ما ينتظمها فهو المكان(رفحاء)أحيانا، وتكرارُ أسْماء الشخوص، وهو نمط من الرواية يتسم عادة بتهميش الحدث، والشخوص، ويُعلي من هيمنة الوصف، أي: قيم الثبوت والسكون مقابل الحركة والتزامن. لأن الوصف - في الغالب - يعملُ على تجميد الزمن، فيتحد بالمكان تعبيرًا عن ضياع العالم ، وعبثية الوجود،يقول أحد المقاطع:
بهذا الشكل نشأت " رفحاء " الحديثة .
كأنها صدفة تاريخية جعلت الزمن ينتبه إليها ، ويقف عندها قليلا ً ..
أو كأن " رفحاء " ليست سوى خطأ مطبعي في وثيقة سياسية !
أما مظاهر الجدة فتتمثل في الانحرافات المتكررة ،والاستطراد ،والقفز، والاسترسال ،والمزْج بين الومضات السردية، واللقطات الوصفية المتعددة، وتنوُّع الرواة، مع الجمْع بين أدوات من السرد الموروث ، وأخرى من أساليب السَّرْد الحديث وتعدُّد مستويات اللغة : الفصيحة، الدارجة، المهجَّنة من الفرنسية مثل تكرار تعبير:
برافو .. برافووو ..
وكذلك اللغة العامية في:
هبّت هبـوب الشمال وبردها شيني
ما تدفـي النار لـو حنا شعلناها
ما يدفي إلا حضن مريوشة العيني
وإذا عطشنا شربنا من شفاياها
وراك مــا تـذرفيـن الدمـع يـا عينـي
علـى هنـوفٍ جديـد اللبس يزهاها
أضحك مع اللي ضحك والهم طاويني
طويت قراب العرب لقطروا ماها
وفي الجهة المقابلة ، عند النساء ، تبدأ العجائز بغناء ما يسمينه " قصيد الليل " :
غاب القمر وانقطع ضوه ... قطّع قلوب العواشيقي
وتعمّد استخدام أساليب لغوية قديمة فيما يُعْرف بالمحاكاة الساخرة، ما يحمل على القول إن اللغة في هذه الرواية ، هي أيضا فسيفساء تسهم مع العناصر الأخرى في تجسيد رؤية التمزق والتبعثر وللايقين.يقول أحد المقاطع:
"بالصدفة ، كانت إحدى القوافل تمر من هنا ، من هذا المكان .
وبالصدفة ، كانت معهم امرأة تحتضر .. وماتت في هذا المكان .
وبالصدفة ، تم اختيار هذا التل الصغير ، لتدفن بجانبه ، ويصبح علامة لقبرها .
كان اسم المرأة " رفحا " .
لاحقاً ، صار اسم التل الصغير " رفحا " .
مع مرور الوقت ، صار كل ما حول التل " رفحا " .
•بالصدفة !.. بالصدفة !.. بالصدفة !
•تريد وبلغة شاعرية مثيرة ، ورغم أنف التاريخ ، أن تصنع تاريخا لجغرافيا مهملة .
هنا تقاتل البدو على بئر ماء .
ومن هنا مرت قوافل تجار " العقيلات " قادمة من قلب " نجد " في طريقها إلى "
بغداد " و " الشام " .
ومن هنا مر الفرسان ، والشعراء ، والغزاة
ومن هنا مر " الحسين " و " المتنبي " عليهما السلام!!
هههاي .. أضحكتني !..
" عليهما السلام " إذا ً ؟ !!(ص:17)
الرواية لقطاتٍ ولوحاتٍ وومضات مبعثرة بحوادثها وأمكنتها وأحجامها ودلالاتها الجزئية و شخصياتها مُجرّد أسماء لا أكثر فهي بلا أبعاد، وبلا قسماتٍ محددة، وغالباً ما يتم تقديمها من خلال ومضة ، أو جملة موحية لا أكثر،وتعاني باستمرار من الكوابيس، والإحباط، والانكماش ، والتحجُّر ، والعجز، والانفصال عن الأزمنة. يقول النص:
البارحة .. كانت الليلة الثالثة التي يزورني فيها شبح " جونسون " .
أحيانا ً أراه مبقور البطن تتدلى أمعاؤه ، وأحيانا ً يتحدث إليّ ورأسه يتدلى على صدره لا يمنعه من السقوط سوى جلدة صغيرة .
في زياراته السابقة ، كان يقول لي جملة واحدة ، ويرددها بعتب وغضب وحزن : " يا ابن الوطبان أين ستهرب من الرب عندما يسألك عني ؟ " .. " يا ابن الوطبان أين ستهرب من الرب عندما يسألك عني ؟ " .. وكنت أصحو من النوم مفزوعا ً ، مختنقا ً ، كأن كل الاكسجين تم سحبه من غرفتي .
كما كسرت هذه الرواية مبدأ احتكار الصوت الواحد (السّارد الوحيد) معتمدة تعدد الأصوات:مثل صوت "البطل محمد الوطبان أوفارس سعيد أو أبو معاذ الطائي ، شخصية متغيرة متبدلة ،شاب مفكك، معقّد، ومعضل، تتهاوى نفسه على شكل انهزامات، ونكوصات، يحاول العودة إلى طهر القرية فيفشل، ولا يقوى على اعتزال المهمات الأمنية، فلاهو انطوائي، ولا هو انبساطي، وإنما هو ممزّق تماما يعاني آثار الازدواجية ،يقول النص:
أنا...
هل أحاول عبر هذه الأوراق ، والتي لا أدري ما الذي سأقوله فيها لاحقاً ، أن
أعالج نفسي ؟
هنالك من يرى أن الكتابة علاج ، وهناك من يقول إنها المرض !
كأن هذه الأوراق عيادة طبيب نفساني ، وعند الكتابة أستلقي على أريكته الأنيقة (ص:9)
لكن هذه الشخصية لا تغير رأيها في الآخر، بل تبقى على خط واحد من أول الرواية لآخرها. تبدي ذات الشخصية آراء مشبعة بالحسرة والسخرية تتكون من مفارقات التجارب التي مرت بها،يقول النص:
ألمح وجها يفزعني .. إنه وجهي في المرآة المثبتة فوق المغسلة ..
أنظر إلى وجهي في المرآة ، وأسأله : من أنت ؟
يقول لي : أنا .. أنت !
أرد بعصبية واضحة : ولكنك لا تشبهني
أما صوت "السيدة تاء" فتبدو شخصية إنسانية بامتياز ،إذ إن صفاتها الشكلية، وآراءها الداخلية، وحواراتها مع "فارس سعيد" الذي أحبها وأحبته أقرب للصفات الإنسانية الصادقة مع ذاتها.إنها شابة، جميلة، مثقفة،بدت رمزاً له دلالات مهمة ، رمزا للحرية بعلاقتها الغير تقليدية مع فارس سعيد ،فهي تؤمن الحب،رغم القيود الاجتماعية كونها متزوجة،وتؤمن بأمانة إيصال الإبداع ونشره عبر دار طوى،بعد أن استأمنها فارس سعيد على الورق.يقول النص:
جلس بجانبي ، وقال :
" سأسمي هذا اليخت باسمك" .
نظرت إليه ببرود ، وقلت :
" أنت حر .. تسميه باسمي .. تسميه باسم " أسامة بن لادن " !.. اليخت يختك (ص:35)
كما يمكن القول إن بطل الرواية الحقيقي ليس أحد شخوصها الناطقين،بقد ما كان شكلها وتكنيكها وتقنياتها وألعابها السردية المتعددة، تعاملت الرواية مع التقنية الفنية كأداة لاكتشاف للعالم والفن في ذات اللحظة، حيث إن المبدع يحدد إدراكنا لعالم الفعل من خلال هدم ما هو كائن ليكتشف عالماً آخر، فيتمرد على الأسلوب التقليدي بارتياد تقنيات جديدة غير مسبوقة،تعبر عن عالم منداح بلا رؤية ولا ثوابت.من أمثلة:
-الاسم ،اسم الكاتب محمد الوطبان يشبه اسم الكاتب محمد الرطيان.
-الخط الأحمر
-السيدة تاء شخصية داخلية وخارجية(تقدم الأوراق للنشر)وتشارك في صنع الأحداث.
- الخطاب الموجه إلى الناشر الحقيقي.
- استخدام أسماء قبائل وعوائل حقيقية،
-ترقيم صفحات فارغة، زعمت السيدة تاء، أنها ضاعت.
الخاتمة بتقديم خطاب احتجاج وبراءة من "محمد الوطبان" الـ.. الحقيقي؟
- هشاشة الشخصية الروائية وعدم قدرتها على فهم الواقع(ثلاثة شخصيات هي شخصية واحدة) ومن ثم فهي شخصية ذات أبعاد سيكولوجية ملؤها الحيرة والتشتت وفقدان الهوية.
- كما تخلت الرواية عن التتابع التقليدي للزمن، مما استتبع التخلي عن الحبكة الروائية المحكمة عن البطل وتكوينه السيكولوجي، فظهر ما يمكن تسميته بتشظي الزمن في محاولة للتواصل مع قارئ مغترب يعيش في أزمنة انكسار وعوالم جديدة عليه.
-اعتمادها على«جماليات الفوضى» الفوضى بوصفها ظاهرة فنية وليس جمالية وذلك لخضوعها لفلسفة تعبر عن موقف الإنسان المعاصر من الوجود ومن نفسه ومن الآخر ومن العمل الإبداعي في حالة من عدم اليقين والتشظي.
- فضلت هذه الرواية التتابع على السببية حتى داخل التركيب النحوي للجملة، ولذا فإنه يخلق نوعا من التجاور، على العكس من التتابع الذي كان معروفا في روايات الحداثة.
-الحبكة في هذه الرواية مفككة وغير ذات أهداف ولا تقيم لعلاقة السببية وزناً، ومن ثم فالرواية بدت مسحا اجتماعيا أو نفسيا أفقيا، بينما أصبحت اللغة أكثر عمقا ولديها قدرة على استكشاف العالم، وبدت كأنها تتخلق لحظة الكتابة، فالمفردات فيها تبدو كائنات مستقلة ومتناقضة، لكن تجاورها جنباً إلى جنب كوّن العمل الروائي.
وأخيرا لقد جسدت هذه الرواية حقائق فنية جديدة وخفية على صعيد الرواية السعودية الحالية،من خلال الومضات واللقطات الفنية المبعثرة والانحرافات السردية التي قادت إلى الاهتمام بالموقف الاجتماعي والسياسي الذي تتخذه شخصياتها في صياغة علاقة مع القراء . جسدت حقائق جديدة على طريق الرواية السعودية يمكن أن يسلكها روائيون جدد.

في الختام لا بد من القول:إن النقد العربي في مجال السرد تأخر عن اللحاق بالإبداع الروائي،ولعل تتابع الأعمال الإبداعية،وسرعة النشر والطباعة،ساهم في تقدم الإبداع على النقد،وما هذه سوى محاولة لمحاورة هذه الرواية واستنطاق بعض مضامينها.



تمت
د.محمود العزازمة
Mama888_6@hotmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 587


خدمات المحتوى


تقييم
9.51/10 (24 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

إدارة وتصميم : سليمان الشمري . soliman_anb@hotmail.com